البيت الأبيض يهدد بالرد إذا استخدمت سورية أسلحة كيماوية مجدداً

مقاتلون في ريف محافظة إدلب الشمالية. (أ ف ب).
بيروت، واشنطن، موسكو - رويترز، أ ف ب |

حذر البيت الأبيض اليوم (الثلثاء) من أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيردون «على نحو سريع ومتناسب» إذا استخدم الرئيس السوري بشار الأسد الأسلحة الكيماوية مجددا.


وأوضح البيت الأبيض في بيان أنه يراقب عن كثب التطورات في محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة، حيث من المتوقع أن تشن الحكومة السورية هجوماً قد يطلق شرارة أزمة إنسانية.

وتستهدف الطائرات الحربية الروسية اليوم محافظة إدلب في شمال غربي سورية، غداة تحذير واشنطن دمشق من شن عملية عسكرية قد تؤدي إلى «مأساة إنسانية».

وتزامنت الغارات مع إعلان موسكو أن الجيش السوري «يستعد إلى حل مشكلة الإرهاب» في إدلب، كما تأتي قبل أيام من قمة بين موسكو وطهران وأنقرة من المفترض أن تحدد مستقبل هذه المنطقة، التي تُعد آخر أبرز معاقل «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) والفصائل المعارضة في سورية.

وبعد استعادتها السيطرة على كامل دمشق ومحيطها ثم الجنوب السوري العام الحالي، وضعت قوات النظام نصب أعينها محافظة إدلب، وبدأت منذ أكثر من شهر بإرسال التعزيزات العسكرية تلو الأخرى إلى خطوط الجبهة تمهيداً إلى عملية وشيكة.

ويرجح محللون أن تقتصر العملية العسكرية بداية على مناطق محدودة ولكن أيضاً استراتيجية مثل جسر الشغور لمحاذاتها لمحافظة اللاذقية (غرب)، التي يتحدر منها الرئيس السوري بشار الأسد.

وشنّت الطائرات الحربية الروسية الثلثاء غارات استهدفت مناطق عدة في إدلب، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان لوكالة «فرانس برس».

وأوضح مدير المرصد رامي عبد الرحمن لوكالة أن القصف يأتي «بعد توقف استمر 22 يوماً ويطاول مناطق عدة في جنوب وجنوب غربي المحافظة» تسيطر عليها «هيئة تحرير الشام» مثل جسر الشغور أو فصائل معارضة مثل أريحا.

وأسفر القصف، وفق المرصد، عن مقتل أربعة مدنيين وإصابة نحو 8 آخرين بجروح.

وأضاف عبد الرحمن أن القصف يأتي «غداة استهداف الفصائل المقاتلة في إدلب مواقع لقوات النظام في محافظة اللاذقية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة عناصر».

وفي بلدة محمبل في جنوب غربي إدلب، شاهد مراسل «فرانس برس» حريقاً كبيراً في محطة محروقات استهدفتها ضربة جوية وكان فريق الدفاع المدني يعمل على اخماده. وأشار إلى أن الطائرات الحربية لا تزال تحلق في أجواء المنطقة.

وتأتي الغارات الروسية قبل أربعة أيام من قمة تجمع الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والايراني حسن روحاني والتركي رجب طيب اردوغان. ومن المتوقع أن تحدد القمة مستقبل إدلب، التي تٌعد مع أجزاء من المحافظات المحاذية لها آخر مناطق اتفاق خفض التوتر الذي ترعاه الدول الثلاث.

كما تأتي غداة تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترامب دمشق من شن هجوم في إدلب. وقال في تغريدة على موقع «تويتر» إن «على الرئيس السوري بشار الأسد ألا يهاجم في شكل متهوّر محافظة إدلب. سيرتكب الروس والإيرانيون خطأ إنسانياً جسيماً إذا ما شاركوا في هذه المأساة الإنسانية المحتملة».

وأضاف أنه «يمكن لمئات الآلاف من الناس أن يُقتلوا. لا تدعوا هذا الأمر يحدث».

ورفض الكرملين اليوم تحذير ترامب. وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن «توجيه تحذيرات من دون الأخذ في الاعتبار الوضع الكامل في سورية الذي يعد في غاية الخطورة وله أبعاد سلبية لا يعد على الأرجح منهاجاً شاملاً».

وأضاف أن وجود مسلحين في إدلب يقوض عملية السلام السورية ويجعل المنطقة قاعدة لشن هجمات على القوات الروسية في سورية.

وتابع: «استقر عدد كبير من الإرهابيين هناك وبالطبع هذا يؤدي إلى زعزعة استقرار الوضع في شكل عام. إنه يقوض عملية السلام السورية ويجعل المنطقة قاعدة للهجمات على القوات الروسية في سورية».

وأوضح بيسكوف: «نعلم أن القوات المسلحة السورية مستعدة إلى حل هذه المشكلة».

وقال مصدر إلى «رويترز» إن الأسد يستعد إلى تنفيذ هجوم على مراحل لاستعادة السيطرة على المحافظة.

وقال بيسكوف في مؤتمر صحافي عبر الهاتف إن الوضع في إدلب سيكون من القضايا الرئيسة على جدول أعمال محادثات زعماء روسيا وإيران وتركيا في طهران الأسبوع الجاري. وامتنع عن ذكر المزيد من التفاصيل.

ويرى محللون أنه لا يمكن التحرك عسكرياً في إدلب من دون التوافق بين الدول الثلاث، وبينها أنقرة التي تخشى أن يتسبب أي هجوم بموجة جديدة من اللاجئين إليها.

وأضاف الناطق أن «الوضع في إدلب لا يزال موضع اهتمام خاص من قبل موسكو ودمشق وأنقرة وطهران»، معتبراً أن «بؤرة ارهاب جديدة تشكلت هناك (...) وهذا الأمر يقوّض الجهود الهادفة إلى التوصل لتسوية سياسية-ديبلوماسية في سورية والأمر الأساسي هو أنها تشكل تهديداً كبيراً لقواعدنا» العسكرية في سورية.

وتتهم موسكو الفصائل المقاتلة في إدلب، وخصوصاً في جسر الشغور، بإرسال طائرات مسيرة لاستهداف قاعدتها الجوية في اللاذقية.

ومنذ بداية العام 2017، بدأ تنسيق واسع بين موسكو وأنقرة وطهران حول الملف السوري انطلاقاً من جولات محادثات تجري منذ عام ونصف العام في استانا.

وأجرى وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف خلال الأيام الماضية مباحثات في أنقرة ثم دمشق مع اقتراب عقد القمة الرئاسية في بلاده.

من جهتها حذرت الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية بدورها من أن هجوماً واسع النطاق على المحافظة سيؤدي الى كارثة إنسانية غير مسبوقة منذ بدء النزاع في العام 2011.

وحذرت الخارجية الفرنسية الإثنين أيضاً من «انعكاسات كارثية» لهذا الهجوم. وتخشى الأمم المتحدة أن تدفع أعمال العنف بنحو 800 ألف شخص للنزوح من المحافظة، التي تؤوي مع مناطق المعارضة المحدودة المحاذية لها نحو ثلاث ملايين نسمة.

والوضع في محافظة إدلب يبقى أكثر تعقيداً من مناطق أخرى استعادتها قوات النظام، كونها آخر معاقل «هيئة تحرير الشام»، المصنفة مجموعة "إرهابية"، كما تُعد منطقة نفوذ تركي، وتنشر أنقرة فيها نقاط مراقبة بموجب اتفاق استانا.

وتسيطر «هيئة تحرير الشام» على الجزء الأكبر من محافظة إدلب بينما تتواجد فصائل إسلامية أخرى في باقي المناطق وتنتشر قوات النظام في الريف الجنوبي الشرقي. كما تتواجد الهيئة والفصائل في مناطق محاذية في ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي (وسط) واللاذقية الشمالي (غرب).

وطالما شكل تحالف «هيئة تحرير الشام» مع الفصائل المعارضة عائقاً أمام وقف إطلاق النار أو خفض التوتر، إذ إنه كان يتم استثناؤها من تلك الاتفاقات كافة إلى جانب تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) كونها تُعد مجموعة متطرفة على رغم محاولاتها فصل نفسها عن تنظيم «القاعدة».

وستشكل معركة إدلب المرتقبة آخبر أكبر معارك النزاع السوري، بعدما مُنيت الفصائل المعارضة بالهزيمة تلو الأخرى، ولم يعد يقتصر تواجدها سوى على محافظة إدلب ومناطق محدودة محاذية لها، وعلى ريف حلب الشمالي حيث تنتشر قوات تركية.