«أمر واقع» ... مسلسل يقرأ الأحوال وفق الرواية الرسمية

ملصق المسلسل (الحياة)
القاهرة - محمد بركة |

يصدّر صناع «أمر واقع» عبر كل حلقة من حلقات العمل بتنويه يسبق نزول تترات البداية يؤكد على أن «أحداث هذا المسلسل مستوحاة من رؤية المؤلف ولا تمت للواقع بصلة وأي تشابه في الأحداث والشخصيات هو من محض مصادفة»، في حين أن القراءة الأولية لتلك الدراما تؤكد على نحو حاسم أن العمل لا ينطلق فحسب من موجة العنف والإرهاب التي سبق وشهدتها مصر قبل أن تنعم بحالة من الاستقرار النسبي أخيراً، بل ويلتزم التزاماً يكاد يكون حرفياً بالرواية الرسمية في تفسير تلك الحوادث على المستويين الداخلي والخارجي.


تأتي بداية مشاهد العمل مع موكب شديد الحراسة لسفير إحدى الدول الإفريقية يسير هادئاً مطمئناً وفجأة تنفتح فوهات مدافع رشاشة لتحمل النار والموت للديبلوماسي رفيع المستوى. وبالتزامن مع انهمار الطلقات، تنهمر النقرات على لوحة مفاتيح جهاز كمبيوتر محمول من قبل شخص غامض مجهول، كان يترقب الحدث منذ دقائق داخل سيارة وهو يدخن سيجارته في حالة من الاسترخاء، ليكتب الآن تأكيداً للخبر الذي كان قد سبق بثه منذ ما يقرب من نصف ساعة على أحد المواقع الوهمية تحت عنوان «عاجل: اغتيال ديبلوماسي أفريقي بالقاهرة».

عبر تلك المشاهد الأولى إذاً، يتماهى السيناريو الذي كتبه محمد رفعت مع صدمة الرأي العام التي طالما أصابت المصريين مع كل حادثة إرهابية جديدة، اذ كان يسبقها تنويه بالخبر أو على الأقل بث مقاطع فيديو «حصرية» بعد دقائق معدودة من وقوعه على نحو يؤكد أن هناك تنسيقاً على أعلى مستوى بين التنظيم الإرهابي وتلك الأذرع الإعلامية التي تبدأ بمواقع مجهولة وتنتهي بتصدر نشرة الأنباء في شبكة إخبارية عربية شهيرة.

عندما تتوالى الهجمات الإرهابية ببلد ما، يصبح الجهاز الأمني تحت ضغط عارم متعدد المصادر وتصبح إدانته مثل فيروس ينتقل عبر الهواء، ونتيجة عجزه عن توفير الحماية اللازمة تتوتر العلاقة بين وزارة الداخلية والإعلام، وتصبح الفرصة مهيأة لانفلات في الأعصاب هنا أو هناك. وفي تلك الجزئية تحديداً، يقدم المسلسل قيادات الشرطة في صورة المتفهمين لما يحدث حتى لو تعرضوا لشيء من التحامل من رجال الإعلام، فسيادة اللواء، لعب دوره ياسر علي ماهر، غاضب بسبب وقوع ثالث هجوم إرهابي كبير في أقل من شهر لكنه يخاطب مرؤوسيه قائلاً في إشارة إلى هؤلاء الإعلاميين «هم يؤدون عملهم على الأقل، ويبقى أن نؤدي نحن عملنا». أما الضابط «عمر رمضان» الذي جسد دوره ببراعة أحمد وفيق فيرد موضحاً أن معظم وسائل الإعلام تلتزم الهدوء وعدم الانفعال في تغطيتها لحوادث الإرهاب باستثناء قلة من «المتحمسين».

شكوى المسؤولين المتكررة من دور وسائل التواصل الاجتماعي في تهييج الرأي العام ونقل أنباء غير موثوقة يتردد صداها طوال الوقت عبر الحلقات، سواء عبر تصرف بريء كالذي تقدم عليه «فرح»، الجميلة المقعدة على كرسي متحرك حين تكتب «دم جديد.. وتقصير أمني غير جديد» أو عبر الميليشيات الإلكترونية «المأجورة» التي تعمل على بث الاشاعات عبر حسابات وهمية تنطلق من خارج البلاد.

التضحيات التي يقدمها رجال الشرطة في مكافحة الظاهرة الإرهابية ويلح عليها الخطاب الإعلامي المحلي دون قدرة حقيقية على تقريبها للجماهير ببساطة وإنسانية، يسعى المسلسل الذي أخرجه محمد أسامة، إلى إعادة إنتاجها عبر حدوتة الضابط «حمزة»، لعبه كريم فهمي صاحب البطولة المطلقة الأولى، الذي فقد ابنه بسبب انشغاله بعمله فلم يستطع اللحاق بزوجته والذهاب للمستشفى في الوقت المناسب على إثر أزمة صحية مفاجئة.

ولا يكتفي المؤلف بذلك بل يجعل حمزة يصاب أثناء مداهمة أمنية لوكر إرهابي لتصبح حياته معلقة بين الحياة والموت، وحين يتم شفاؤه نكتشف أن حياته مع زوجته أصبحت جحيماً لا يطاق حيث تشتعل الإدانة في عيون الزوجة كلما رأت زوجها، فهي غير قادرة على التسامح وهو غير قادر على الاحتواء! هناك أيضاً «صديق البطل» الضابط «عمر رمضان» الذي يقر ويعترف بأن انفصاله عن زوجته الجميلة التي لا يزال يحبها سببه الأول والأخير انشغاله بعمله.

أجادت نجلاء بدر في تجسيد دور امرأة محطمة فقدت ابنها وهاهي على وشك أن تفقد زوجها «حمزة» بسبب تعلقه بامرأة غيرها حتى لو كانت تعاني من شلل أقعدها عن السير. هذه المرأة هي «فرح» التي لعبتها ريم مصطفى باقتدار واضح، وجه بارع الحسن مع نصف أسفل مستقر على كرسي متحرك. حالة إنسانية تثير التعاطف اتخذت منها «فرح» مبرراً لكي تستسلم لغواية الوقوع في حب زوج صديقتها الذي يبادلها مشاعر حتى لو لم تتجاوز القلب ونظرات العين، فإنها تظل مثل تفاحة محرمة تشعرهما بالذنب. ولعل خيط العلاقة المتأرجح بين السيدتين بما شهده من صعود وهبوط يعد من نقاط قوة العمل ككل حيث أضفى على الحبكة نوعاً من التشويق النسائي ربما يفوق التشويق البوليسي الذي ينتمي إليه المسلسل.