إدلب بين موسكو وأنقرة

بارشين ينانج |

لطالما كانت ثمة ريبة في نظرة الأتراك إلى الغرب، وكذلك في نظرتهم إلى روسيا. والتعاون التركي اليوم مع روسيا يتستر على الارتياب التاريخي في موسكو. وفي وقت أن جذور معاداة الغرب في تركيا تعود، إلى حد ما، إلى معاهدة سيفر، التي زرعت الخوف في صدور الأتراك من سعي الغرب إلى تقطيع بلادهم إرباً، جذور غياب الثقة في روسيا تعود إلى خوف الأتراك من سعي الروس إلى بلوغ «المياه الدافئة» (البحر المتوسط). وتركيا هي من يحول دون بلوغ روسيا هذه المياه. ولذا، كانت على الدوام تلتزم بنود معاهدة مونتو، وهي تمنح السفن الروسية حق العبور الآمن، التزاماً دقيقاً. واليوم، يبدو أن روسيا حققت حلماً يعود إلى قرون: بلوغ المياه الدافئة. فهي عززت مرابطتها في سورية من طريق قاعدتيها العسكريتين، وبدأت في الأول من الشهر الجاري، مناورات عسكرية مشتركة في المتوسط. وفي المناورات، وهي تدوم إلى الثامن من الجاري، ستطلق السفن الروسية والمقاتلات الجوية النيران في تدريبات عسكرية، وفق قائد البحرية الروسية، فلادمير كوروليف. وترمي المناورات هذه إلى تأمين سلامة السفن والرحلات الجوية، ومناطق التدريبات خطرة على الملاحة البحرية والجوية. وإعلان الخارجية الروسية أن المناورات لا صلة لها بسورية هو من قبيل السخرية الروسية التقليدية. وتدرك أنقرة أن هجوم النظام السوري وشيك على إدلب.


وتضعف مرابطة روسيا العسكرية في المتوسط يد تركيا أمام روسيا. وبشار الأسد عازم على استعادة إدلب. وتواجه تركيا خطر المهانة الناجمة عن طردها من المنطقة هذه. ولن تدرأ المفاوضات التركية مع روسيا وإيران المهانة عن تركيا بل ستحدد مقدارها (المهانة) أو مستواها فحسب. وسعت أنقرة إلى الحؤول دون الهجوم على إدلب من طريق تسليط الضوء على المأساة الإنسانية المترتبة على مثل هذا الهجوم. ولكن قوات نظام دمشق لا تعير بالاً للفصل بين المدنيين والمقاتلين. وليس مثل هذا الفصل سمة الإستراتيجيا الروسية حين تواجه خصومها، على نحو ما فعلت في الشيشان. ولا يشغل موسكو مصير المدنيين ولا تدفقهم على تركيا. والداعي اليتيم إلى مراعاتها ومهادنتها هو رغبتها في زرع الشقاق بين تركيا والتحالف الغربي («الأطلسي»).

خلاصة القول، إن روسيا تستمع إلى تركيا وتحتسب كلمتها طالما أنها في التحالف الغربي، وهذه ورقة أنقرة اليتيمة لردع روسيا عن تشجيع هجوم الجيش السوري على إدلب. وإذا لم تقم موسكو وزناً للقلق التركي، ووقعت كارثة إنسانية في إدلب تلقي أعباء استضافة مزيد من اللاجئين ورصد «الجهاديين» على كاهل تركيا، يتوقع أن تخلف التغيرات هذه أثرها في التعاون التركي – الروسي.

* محللة، عن «حرييات دايلي نيوز» التركية، 4/9/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي