سيادة أوروبية مالية عوض «سويفت» الأميركي؟

ثورستن بينر |

في لقاء السفراء السنوي في برلين وباريس، وجه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ووزير الخارجية الألماني هايكو ماس، رسالتين متناغمتين. ففي جبه «أميركا أولاً»، يبدو أن ألمانيا وفرنسا عازمتان على شد عود «أوروبا سيدة» يعتد بوزنها. ودار كلام كل منهما على تحالفات جديدة لتعزيز العالم المتعدد القطب الذي يهاجمه ترامب. وليست دعوة رئيس فرنسي إلى استقلال أوروبا أكثر فأكثر عن أميركا، جديدة، لكن الجديد هو دعوة وزير الخارجية الألماني إلى شراكة متوازنة مع أميركا لاستعادة هامش مناورة. لكن ماس لم يكتف بالكلام التقليدي عن تعزيز قدرات أوروبا العسكرية، بل ناقش تطوير أنظمة دفع مستقلة عن الدولار لتحوز أوروبا سيادة مالية، وإبرام تحالف متعدد القطب. وهذه المقاربة تسعى إلى حماية ألمانيا وأوروبا من الهيمنة الأميركية المطلقة ونفوذ غيرها من القوى. والموقف هذا هو رد على قرار أميركا التوسل برجحان كفة نظامها المالي وتفوقها التكنولوجي سلاحاً في مواجهة معارضيها. ومشروع ماس وماكرون طويل الأمد، ويهدده الافتقار إلى الإجماع في أوروبا والإرادة السياسية. وكثير من الأوروبيين يرتابون من الهيمنة الألمانية ويريدون حماية أنفسهم منها. وقد تثمر مساعي الولايات المتحدة الرامية إلى تقسيم الأوروبيين وتوجيه ضربة استباقية تجهض مساعي استقلالهم. ولكن لا مناص أمام الاتحاد الأوروبي من أن يتمسك بحقوقه في عالم معاد.


وما أقدمت عليه إدارة ترامب سلط الضوء على ضعف الأوروبيين، في وقت ينظرون هم إلى أنفسهم على أنهم قوة يعتد بها في قطاعي التجارة والمال. فالسوق الأوروبية الموحدة تشتمل على 500 مليون مستهلك وتجمعها نظم واحدة. لذا، وقع انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني وقع الصدمة على أوروبا، وسلط الضوء على عجز الاتحاد الأوروبي في المالية الدولية. فإدارة ترامب تستخدم قوة الدولار لإطاحة الاتفاق النووي. وهي فرضت عقوبات ثانوية على أي شركة تتعامل مع إيران، وتريد أن تلفظ طهران خارج نظام الدفع المالي الدولي، «سويفت».

وسبق أن توسلت أميركا بنظام سويفت للضغط على إيران. ولكن حينها انضم الاتحاد الأوروبي إلى هذه الضغوط، ورأى أنها تصب في مصلحته. ولكن، اليوم، الأوروبيين متمسكون بالاتفاق النووي الإيراني لأنه يصب في مصالحهم. ولكنهم يجبهون ضعفهم. وسعت بروكسيل إلى ثني الشركات عن الصدوع بالعقوبات الأميركية. لكن الشركات الأوروبية الدولية الكبيرة، مثل سيمنز الألمانية، وتوتال الفرنسية، ستختار على الدوام البقاء في السوق الأميركية على التعامل مع إيران. ولا يسع الاتحاد الأوروبي إبقاء إيران في نظام «سويفت»، على رغم أن مركز النظام هذا يقع تقنياً في أوروبا. لكنه تحت رحمة هيمنة الدولار. وفي أيار (مايو) المنصرم، تساءل وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لومير عن سبل حيازة أوروبا أدوات مالية تكون جسرها إلى الاستقلال عن الولايات المتحدة. وأجاب ماس الألماني عن السؤال هذا حين دعا الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء «قنوات دفع مالي مستقلة عن أميركا، وصندوق نقد أوروبي ونظام سويفت أوروبي. واضطر ماس إلى الإقرار بأن «الشيطان يكمن في التفاصيل».

ويشير تقرير أعدته صحيفة «داي تسايت» الألمانية إلى بدء مسؤولين بارزين في الوزارات المالية والاقتصادية والخارجية الألمانية البحث في خيارات ملموسة والتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين. لكن دولاً كثيرة في الاتحاد الأوروبي ترى أن ثمة مخاطرة ومغامرة في إنشاء نظم مالية مستقلة. ولا تقتصر معارضة مثل هذا المشروع على دول تستجيب لدعوات واشنطن إلى العدول عن مثل هذه الخطوة. فالخلاف والشقاق هما في ألمانيا نفسها. ويعول المصرف المركزي وغيره من المصارف الألمانية العامة على تمويل الأسواق المالية الأميركية، ولن توافق على المغامرة بإبعاد الولايات المتحدة. وربما نزولاً على ضغوط أميركية، أعلن المصرف المركزي الألماني التزام خطوات تعرقل سحب إيران حوالى 300 مليون يورو من المصرف الألماني – الإيراني في هامبورغ. وفي الأحوال كلها، لا يسع أوروبا إرساء نظم مالية مستقلة قبل تشرين الثاني (نوفمبر) لإحباط العقوبات الأميركية على إيران. وفي سبيل تعويم إيران، تضطر أوروبا إلى الاعتماد على الصين، وهذه قادرة على زيادة مشترياتها من الخام الإيراني عبر قنواتها المستقلة للدفع.

وفي 2016، حذر وزير الخزانة الأميركية، جاك لو، من المغالاة في اللجوء إلى عقوبات واسعة، وقال أن الدول قد تبحث عن سبل لتفادي التعامل مع بلاده أو بالدولار إذا شعرت بأن العقوبات تستخدم في غير محلها، وقد تبادر إلى خطوات تقلص اعتمادها على أميركا. وهذا ما يحصل اليوم: أوروبا لم تعد ترى أن النظام المالي الأميركي هو خير عام بل أداة نفوذ جيو - استراتيجي تستخدمها واشنطن أحادياً. ونجاح أوروبا في مسعاها يقتضي التعاون مع حلفاء، لذا، دار كلام ماس على «تحالف متعدد القطب... تحالف بلدان في الدفاع عن القواعد الدولية... والتضامن حين يقوض القانون الدولي». ومد ماس اليد إلى كندا واليابان، وإلى كل من يلتزم تعدد القطب. لكن المشكلات مع الأصدقاء والحلفاء بدأت. فالحكومة الألمانية أخفقت في إصدار بيان تضامن قوي مع كندا في خلافها مع السعودية الأسبوع الماضي، على رغم أن ضيف الشرف في لقاء السفراء في برلين كان وزير الخارجية الكندي. وهذه بداية متعثرة لتحالف يرمي إلى صون النظام المتعدد القطب من طموحات إدارة ترامب المدمرة.

* مدير معهد «غلوبل بابليسك بوليسي» في برلين، عن «فورين أفيرز» الأميركية، 31/8/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي