استبداد في نيكاراغوا وراء قناع يساري

لو موند |

منذ 4 أشهر في نيكاراغوا، يتوسّل الرئيس دانيال أورتيغا بوسائل قمعية تعيد الى الأذهان أحلك أيام ديكتاتورية أناستاسيو سوموزو، وهو سبق أن ثار عليه وساهم في إطاحته في 1979. وإثر اندلاع أسوأ أزمة سياسية في هذا البلد الصغير في أميركا الوسطى منذ 1990، يتمسك هذا الثوري السابق وهو في الثانية والسبعين من العمر بالسلطة، وتؤازره على البقاء زوجته روزاريو موريللو، وهي كذلك نائبه. وأودى العنف الى اليوم بحياة 300 شخص على الأقل من دون احتساب مئات المفقودين. والطلاب والمعارضون ملاحقون، ويسجنون ويصلون التعذيب. والسلك الديني الكاثوليكي ينتقد أساليب الرئيس أورتيغا، ويُلاحق ويُضطهد. وعادت فرق الموت الذائعة الصيت السيئ الى الظهور في حلة ميليشيا مسلحة مخيفة تعرف بـ»تورباس» وتتنقل بواسطة دراجات نارية. وتبث هذه الميليشيات الذعر في أوصال التظاهرات.


لكن التظاهرات لم تنحسر على وقع القمع، وهي تتواصل منذ التظاهرة الأولى في 18 نيسان (أبريل) المنصرم. والتظاهرات كانت في البدء احتجاجاً على إصلاح نظام الضمان الاجتماعي ونظام التقاعد، وتحولت الى ثورة سياسية حقيقية: فآلاف النيكاراغويين شاركوا في تظاهرة 18 آب (اغسطس) في شوارع ماناغوا للمطالبة بوقف القمع، وتحرير السجناء السياسيين، ورحيل الرئيس، وتنظيم انتخابات مبكرة. ومن طريق القمع أمسك النظام بمقاليد المدن وشرايينها الكبيرة، وهذه كانت ميدان حرب عصابات. وفرّ 23 ألف شخص إلى كوستاريكا المجاورة. فلم يكن حُسن الجوار والاستقبال في انتظارهم: مئات الكوستاريكيين تظاهروا حاملين الصلبان المعقوفة للاحتجاج على وصول النيكاراغويين الهاربين من ثاني أفقر بلد في أميركا بعد هايتي.

ولا يلوح مخرج من الأزمة. وطويت سيرورة «الحوار الوطني» التي بدأت في منتصف أيار (مايو). واقترح مؤتمر الأساقفة تقديم الانتخابات الى آذار (مارس) 2019، وطالب الرئيس بالامتناع عن الترشح. فهو في السلطة منذ 11 عاماً. لكن أورتيغا متمسك بالرئاسة ولن يغادر قبل انتهاء ولايته في 2021. وفي تموز (يوليو) المنصرم، دعت منظمة الدول الأميركية الى حل الأزمة وانتخابات مبكرة. ودانت واشنطن والاتحاد الاوروبي وأمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، القمع. لكن دانيال أورتيغا وزوجته متشبثان بالسلطة، وينددان بالـ»إمبريالية الأميركية». ويخطئ هذا الثوري السابق الحسبان. فاليسار اللاتيني الأميركي لن يتمسك به. ففي كولومبيا، المرشح الرئاسي السابق أعلن أن النظام في فنزويلا نيكولاس مادورو، شأن النظام في نيكاراغوا أورتيغا، ليس اشتراكياً. ففي فنزويلا ونيكاراغوا يُتوسل بخطاب يساري موروث من القرن العشرين للتستر على أوليغارشية تسرق الدولة، والأقلية الحاكمة تستحوذ على الثروات وتنتهك حقوق الغالبية. وانقلب حلفاء أورتيغا السابقون عليه. وآن أوان مغادرته السلطة وعتقه البلاد من العنف.

* افتتاحية، عن «لو موند» الفرنسية، 22/8/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي