«صفقة القرن» في البلقان: هل تفيد بشيء صفقة في الشرق الأوسط؟

جاريد كوشنير (ويكيبيديا)
محمد م. الأرناؤوط |

مع استعداد «جمهورية مقدونيا» للاستفتاء على «الاتفاق التاريخي» مع اليونان حول الحل الوسط المتعلق باسم الجمهورية اليوغوسلافية السابقة، ومع الإعلان المرتقب في كل يوم عن «الاتفاق التاريخي» بين اليونان وألبانيا لإنهاء حال الحرب القائمة منذ 1941 وتقاسم الحدود البحرية بينهما، بقي في الأفق، كما أشرنا في («الحياة» عدد 29/7/2018) «الاتفاق التاريخي» الأخير بين صربيا وكوسوفو الذي سيكون الأعقد. ولكن بعد نشر المقال المذكور في «الحياة» أخذت تتسارع التسريبات ثم المواقف عن «صفقة قرن» تلوح في الأفق بين صربيا وكوسوفو وترسم خريطة جديدة لغرب البلقان تقف وراءها الإدارة الأميركية الجديدة في واشنطن وترفضها بروكسيل التي تعتبرها بمثابة فتح «صندوق باندورا».


كوسوفو لم تعد «الدولة المدللة»

منذ تولي الرئيس دونالد ترامب صلاحياته، مع ما شاب ذلك من اتهامات بتدخل روسي وتسريبات بتقارب أميركي- روسي في ما يتعلق بالبلقان، وتعييناته في المراكز المهمة في صنع القرار، وبخاصة مع الدور الجديد لصهره جاريد كوشنر والمنصب الجديد لجون بولتون الذي أصبح مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، بدأ الحديث همساً ثم علناً عن تحول استراتيجي في الموقف من كوسوفو. فحتى قدوم ترامب كان الموقف حاسماً منذ إعلان كوسوفو انفصالها عن صربيا في 2008 ودعمها هذا الاستقلال الذي اعترفت به أكثر من 110 دولة، وبالتحديد أن مسألة كوسوفو «قد انتهت» بحدودها الحالية ولم يبق على كوسوفو وصربيا سوى أن تحلا مشكلاتهما باتفاقية شاملة.

ولكن مع تولي جون بولتون منصبه الجديد في 19 نيسان (أبريل) 2018 لم يكن من المستغرب أن يبدأ الإعداد لمثل هذا «التحول الاستراتيجي» في الموقف الأميركي تجاه كوسوفو وصربيا وروسيا. فقد كان بولتون، الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية ثم ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة خلال الفترة التي تلت تدخل حلف الناتو ضد صربيا في 1999 وإجبارها على سحب قواتها من كوسوفو، من الأصوات المعارضة القوية للتوجه الأميركي لدعم الإعلان الكوسوفي للاستقلال عن صربيا. حتى أنه نشر مقالاً أو كتاباً مفتوحاً مع لورنس ايغلبرغ وبيتر رودمان في 31/1/2008 (أي عشية إعلان كوسوفو استقلالها) طلب فيه من الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش أن يراجع السياسية الأميركية إزاء كوسوفو وأن يأخذ بعين الاعتبار قلق صربيا و ألا يشعل مواجهة جديدة مع روسيا. الا أن الإدارة الأميركية آنذاك لم تأخذ بذلك بل تبنّت الإعلان عن استقلال كوسوفو ودعمت ذلك بوسائل متعددة حتى ساد الشعور حتى نهاية عهد الرئيس باراك أوباما بأن كوسوفو «الدولة المدللة» لواشنطن في البلقان.

دور كوشنر وبولتون

مع تولي بولتون منصبه الجديد عرفت بلغراد كيف تتصرف فأوفدت وزير خارجيتها ايفيتسا داتشيتش، رئيس «الحزب الاشتراكي الصربي» الذي أسّسه سلوبودان ميلوشيفيتش والمعارض الأكبر لتدخل حلف الناتو في 1999، إلى واشنطن في نهاية شهر تموز (يوليو) المنصرم، واجتمع مع كبار المسؤولين وعاد بخطاب مختلف عن الموقف الأميركي الجديد. فقد نشرت الصحيفة الألبانية المعروفة «شكولي» (عدد 30/7/2018) عن وزير الخارجية الصربي أن الجانب الأميركي أصبح منفتحاً على موضوع «تقسيم كوسوفو» بعد أن كان يعتبر أن حدود كوسوفو حُسمت بعد استقلالها واعتراف أكثر من 110 دول بها. وبعد أيام كانت الصحيفة البلغرادية المعروفة «داناس» أكثر وضوحاً في التعبير عن التغير في الموقف الأميركي الجديد. فقد نقلت عن وزير الخارجية الصربي أن الولايات المتحدة «لم تعد تفضل حلاً معيناً بل تترك للطرفين (صربيا وكوسوفو) أن تتفقا على ما تريانه مناسباً» («داناس» 12/8/2018).

وفي الوقت الذي نفي المسؤولون الكوسوفيون أي تغير في الموقف الأميركي وأكدوا على «الشراكة الاستراتيجية» مع الولايات المتحدة كشف السفير الأميركي المنتهية ولايته في كوسوفو غريغ دلواي الذي كان يعتبر من الممثلين الفاعلين في الدور الأميركي السابق، عن التغير الجديد حتى قبل زيارة وزير الخارجية الصربي واشنطن، حين أحرج بسؤال في مقابلة على الهواء مع تلفزيون «كوها فيزيون» الكوسوفي في 20/7/2018 عن الموقف الأميركي من تقسيم كوسوفو في المفاوضات الجارية برعاية الاتحاد الأوربي بين صربيا وكوسوفو، فلم يرفض ذلك كما جرت العادة، بل قال ما معناه أن الولايات المتحدة لن تحدد العناصر التي يجب أن يتناولها الطرفان في المفاوضات بل أنها «ستدعم (الصرب والألبان) في ما يقررونه» (موقع «ربورتر آل» 20/7/2018).

وفي الوقت الذي نقلت الصحافة البلقانية عن «لوموند» الفرنسية وجود دور لجاريد كوشنر، إضافة إلى تأثير جون بولتون (جريدة «زيري» 15/8/2018) في «صفقة القرن» لرسم خريطة جديدة لغرب البلقان، جاء التعبير الأوضح عن ذلك بعد اجتماع السفير الأميركي في بلغراد كيل سكوت مع الرئيس الصربي ألكسندر فوتيتش (وزير الإعلام في نظام ميلوشيفيتش وأكثر الأصوات انتقاداً آنذاك لحرب حلف الناتو على صربيا في 1999). ففي المؤتمر الصحافي الذي أعقب اللقاء طالب السفير سكوت الصرب والألبان بـ «أن يعبّروا عن شجاعة ومرونة وإبداع للتوصل إلى اتفاقية تكون مفيدة للبلقان» (كوها 16/8/2018). كان هذا يعطي رسالة مهمة بأن الحدود لم تعد مقدسة وبأنه يمكن للطرفين الاتفاق على ما يريانه مناسباً. ونقلت الجريدة البلغرادية المعروفة «بليتس» عن الرئيس الصربي فوتشيتش قوله إنه «يوافق على تعديل الحدود ولكن رقصة التويست تحتاج إلى شخصين» («بليتس عدد 9/8/2018).

الدور الجديد لهاشم ثاتشي

في هذه الحال برز المسؤول الكوسوفي المستعد للعبة التويست الجديدة، الذي لم يكن سوى هاشم ثاتشي «بطل الاستقلال» في 2008. ولكن خلال 2008-2018 كانت تغيرت أمور كثيرة في شخصية ثاتشي. فقد كان آنذاك (2008) رأس السلطة التنفيذية وفق الدستور الكوسوفي الذي جعل كوسوفو جمهورية برلمانية، ولكن فضائح الفساد الجديد جعلت حزبه (الحزب الديموقراطي) يخسر الأصوات باستمرار ويثير الأزمات السياسية مع المعارضة إلى أن فضّل أن يصبح رئيسا للجمهورية في 2016 وسط معارضة قوية في البرلمان والشارع (انظر «الحياة» عدد 12/4/2016). وفي السنة التي انتخب فيها رئيسا للجمهورية ، وهو المنصب الذي يمنحه صلاحيات محدودة ، تشكّلت المحكمة الدولية الخاصة بجرائم الحرب الخاصة بكوسوفو من قبل «جيش تحرير كوسوفو» وتردّد أن ثاتشي أحد الأسماء الموجودة في القوائم الأولى التي ستعلن قريباً.

ومن هنا فاجأ الرئيس ثاتشي الألبان في كوسوفو منذ بداية شهر آب (أغسطس) الجاري عن استعداده للتباحث مع الرئيس الصربي حول «تعديل الحدود» ضمن اتفاقية شاملة بين الدولتين. أما مصدر المفاجأة فقد تمثل في أن صلاحيات أو ولاية الرئيس ثاتشي لا تعطيه الحق في الخوض في شأن كهذا مع وجود رئيس حكومة تمثل السلطة التنفيذية بحسب الدستور الكوسوفي، بل أن رئيس الحكومة راموش خير الدين اعتبر أن «تعديل الحدود يعني الحرب!». وإلى جانب ذلك، لم يحظ ثاتشي بأي تأييد علني من أي حزب سياسي مهم، بل أن المعارضة اتهمته بأنه «يخون» كوسوفو من أجل أن يتجنب الحكم عليه في المحكمة الدولية عن الجرائم التي ارتكبها «جيش تحرير كوسوفو» عندما كان مسؤولاً فيه خلال 1998-1999.

في هذا السياق، أثار ثاتشي مسألة في غاية الحساسية لأجل نيل تأييد الغالبية الألبانية له، ألا وهي أن «تعديل الحدود» بين صربيا وكوسوفو يسمح لكوسوفو بالمطالبة بضم المحافظات الثلاث ذات الغالبية الألبانية في صربيا (بريشيفو وبويانوفاتس ومدفيجا) إلى كوسوفو! ومن أجل ذلك فقد أكثر من المؤتمرات الصحافية التي أصبح يعقدها وهي ظاهرة غير مسبوقة في البروتوكول الرئاسي، حتى أنه طالب بتعديل الدستور ليسمح بتعديل حدود كوسوفو الحالية وإجراء استفتاء حول ذلك (جريدة «زيري» 8/8/2016). ولكن ثاتشي لم يجب عن السؤال المهم الذي طرحته جريدة»بليتس» البلغرادية: مالذي ستحصل عليه صربيا مقابل ذلك؟

يبدو أن السكوت عن الجواب هو الذي يثير القلق في كوسوفو والبلقان والاتحاد الأوروبي. فقد كانت الحدود الحالية تعتبر «مقدسة» لأن تحريك أي واحدة سيشغّل لعبة الدومينو في البلقان. فثاتشي يطالب علناً بضم المحافظات الثلاث «ذات الغالبية الألبانية» في صربيا إلى كوسوفو، ولكنه يسكت عن حق صربيا في ضم المحافظات الأربع ذات الغالبية الصربية الساحقة في كوسوفو إليها، وهي التي تعتبر امتداداً لها في السياسة والاقتصاد والخدمات.

ومن هنا لم يكن من المستغرب رد فعل المستشارة الألمانية انغيلا مركل التي عارضت بقوة فكرة «تعديل الحدود» منذ طرحها لأول مرة، وشاركت فيه الأوساط المسؤولة في بروكسيل التي كانت خلال السنوات الأخيرة طرحت استراتيجية جديدة لضم دول غرب البلقان إلى الاتحاد الأوربي بحدودها الحالية. وحذر الخبراء الأميركيون في شؤون البلقان، مثل دانييل سوير الأستاذ في جامعة جون هوبكينز، من خطورة «صفقة القرن» في البلقان حتى أن سوير قال في مقابلة مع راديو أوربا الحرة بتاريخ 15/8/2018 إن صربيا وكوسوفو «فتحتا صندوق باندورا ويجب عليهما إغلاقه بأسرع وقت» (جردة «شكولي» 15/8/2018. هذا التباعد في الموقف ما بين الولايات المتحدة (في موقفها الجديد من كوسوفو) والاتحاد الأوروبي أصبح واضحاً ومثيراً للقلق. ومن هنا فقد اختار جون بولتون زيارة ألمانيا (المعارضة الأولى لذلك) لكي يؤكد أكثر الموقف الأميركي الجديد. ففي تحد واضح للموقف الألماني/ الأوروبي قال بولتون: «إذا توافق الطرفان (صربيا وكوسوفو) فنحن لا نعارض تبادل الأراضي، هذا الأمر لا يخصّنا»، وتابع في تهديد مبطن للاتحاد الأوروبي: «نحن لانريد أن نكون عقبة، ولا أعتقد أن هناك أحداً في أوروبا يريد أن يعيق ذلك إذا توصل الطرفان إلى اتفاقية مرضية» (جريدة «كوها» 24/8/2018).

هل من رسائل للشرق الأوسط؟

يعتبر النزاع الصربي- الألباني حول كوسوفو من أعقد النزاعات في البلقان وغالباً ما يقارن بالنزاع العربي- اليهودي حول فلسطين لكونه تختلط فيه عناصر الدين والتاريخ والأساطير المقدسة والحق التاريخي بالأرض الخ، واستمرار الجولة الأخيرة فيه أكثر من قرن من الزمن.

في الحالات السابقة للتوسط في حل هذا النزاع (الذي تبدو المسافة فيه بين الطرفين شاسعة) كان الأمر يدور حول موقف الاتحاد الأوروبي (المدعوم من الولايات المتحدة ) لاحتواء هذا النزاع من خلال ضم صربيا وكوسوفو إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يمكن حل تفاصيل النزاع بالتدريج خلال المفاوضات. ولكن مع الموقف الأميركي الجديد الذي بدأ بعدم الممانعة لـ «تعديل الحدود» وانتهى إلى عدم المعارضة لـ «تبادل الأراضي» أصبح الموقف مفتوحاً على رسم خريطة جديدة لغرب البلقان تشمل صربيا وكوسوفو والبوسنة وألبانيا وربما مقدونيا لاحقا . فمبدأ «تعديل الحدود» و «تبادل الأراضي» يعني التحول من الدول الحالية القائمة على التعدّد إلى دول قومية أكثر، تماشياً مع الموجة الشعبوية في أوروبا، أي بما يعني «تسمين كوسوفو» و «توسيع صربيا» و «تقزيم البوسنة» مع فتح الطريق لانضمام كوسوفو إلى ألبانيا.

الرسالة الجديدة للموقف الأميركي الجديد الذي بدأ مع «صفقة القرن» في الشرق الأوسط (مروجها الأساسي جاريد كوشنير) والتي تم تأجيل إعلانها لكونها تمس «الحدود المقدسة»، اتّضح الآن مع «صفقة القرن» في البلقان، أنه لم تعد «الحدود مقدسة» لا في البلقان ولا في الشرق الأوسط وأن تمرير «صفقة القرن» في البلقان أولاً سيساعد في شكل ما على تمرير «صفقة القرن» في الشرق الأوسط.