قانون جرائم الإنترنت في مصر... القرصان والمعارِض في سلة واحدة؟

القاهرة – رحاب عليوة |

قبل شهور، تعرض الحساب الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» للمستخدمة رحاب صلاح (26 عاماً) وهي زوجة وأم، للقرصنة من مجهول، لتصبح كل محتويات الصفحة من بيانات ولوائح أصدقاء وصور ومحادثات بين أيدي غريب، يبدو أنه محترف، إذ سارع إلى تغيير كلمة المرور الخاصة بها، وبدأ ممارسة نشاطه على نحو طبيعي منتحلاً شخصية صلاح، فيما بدأ يساومها على محتويات الصفحة على منحى آخر. وما أن لجأت صلاح إلى تدشين صفحة جديدة تحمل اسمها، بدأ توجيه البلاغات الإلكترونية إلى الصفحة على اعتبارها «منتحلة» شخصية صلاح، أي أن المنتحل بات هو من يوجه اتهامات جريمته إلى ضحيته، ولما كانت إدارة موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، لا تتعامل سوى مع معطيات رقمية، اعتبرت أن الصفحة الأقدم هي الأصدق، وقامت بالفعل بحظر الصفحة الجديدة لضحية القرصنة، التي اضطرت أخيراً إلى إنشاء صفحة باسم آخر، حتى لا تواجه خطر الحظر.


وخلال تعرض صلاح لتلك الواقعة، والتي تتكرر على نحو دائم بين مستخدمي الإنترنت، لم يكن ثمة نص قانوني صريح، يجرم فعل المقرصن المحترف ذاك، ولم تتمكن صلاح من الإبلاغ عما تعرضت له من قرصنة وابتزاز لدى أي جهة سوى «إدارة فايسبوك»، لكن اليوم، بات الوضع مختلفاً، إذ جرم قانون صدر أخيراً بنص صريح الفعل الذي تعرضت له صلاح، وعرض صاحبه للحبس والغرامة، تحت بند جريمة الاعتداء على البريد الإلكتروني أو المواقع أو الحسابات الشخصية، والتي تنص على أنه «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه (الدولار نحو 18 جنيها)، أو بإحدى العقوبتين كل من أتلف أو عطّل أو أبطأ أو اخترق بريداً إلكترونياً أو موقعاً أو حساباً خاصاً بأحد الناس».

وعلى رغم أن مئات من مستخدمي الإنترنت يتعرضون لاختراق حساباتهم أو مواقعهم شهرياً، أثار القانون الجديد الذي صدر تحت اسم «قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية» جدلاً واسعاً في مصر، وأثار ضجة، ليس في شأن معاقبة المخترق، فتلك المواد لم تلق صدى، لكن الضجة أثيرت حول فحوى القانون وتأثيره في الحريات في مصر!

وأثار القانون الذي صدق عليه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في 18 آب (أغسطس) الجاري، ليبدأ سريانه من تاريخه، ضجة واسعة في مصر وخارجها حول تأثيره في الحريات العامة، إذ يخضع المادة المنشورة عبر الإنترنت سواء في مواقع أم صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لنطاق القانون، طالما مست «بالأمن القومي للبلاد»، وعرف القانون نفسه ذلك الأمن بأنه «كل ما يتصل باستقلال واستـــقرار وأمن الوطن ووحدته وسلامة أرضيه، وما يتعلق بشؤون رئاسة الجمهورية، ومجلس الدفاع الوطني، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع والإنتاج الحربي، ووزارة الداخلية والمخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية، والأجهزة التابعة لتلك الجهات».

وكان لافتاً أن ضمّن القانون «هيئة الرقابة الإدارية» وهي الجهة المسؤولة عن مواجهة الفساد في أجهزة الدولة، ضمن جهات الأمن القومي، ما يمنحها وفق القانون صلاحيات دخول مواقع المشتبه بهم في قضية لضبطهم وجمع الأدلة لإدانتهم إذ نص القانون على أن لجهة التحقيق المختصة – وفق الأحوال - أن تصدر أمراً مسبباً لمأموري الضبط القضائي المختصين لمدة لا تزيد على 30 يوماً قابلة للتجديد مرة واحدة، متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة لارتكاب جريمة معاقب عليها بأحكام هذا القانون. وبموجب ذلك الإذن يحق للجهة المختصة (وهي الرقابة الإدارية حال الفساد أو الداخلية حال تعلق القضية بالأمن القومي) أن تقوم بـ «ضبط وسحب أو جمع والتحفظ على البيانات أو المعلومات... البحث والتفتيش والدخول والنفاد إلى برامج الحاسب وقواعد البيانات وغيرها من الأجهزة والنظم...

وعلى خلاف ما يضيفه القانون في قضايا مكافحة الفساد، تركز الجدل حوله في ما يتعلق بمصطلحات الأمن القومي، وحجب المواقع الإلكترونية، والصفحات المزورة التي تعمل على بث الإشاعات أو المساس بالأمن القومي، علماً أنه فيما تتراوح غالبية عقوبات القانون إذا ما ارتكبت في حق مواطن بين الحبس والغرامة المالية، غُلظت العقوبات لتصل إلى السجن المشدد من دون تحديد مدد بعينها إذا ما هددت الأمن القومي، إذ نصت المادة 24 منه على أنه «إذا وقعت أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون بغرض الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، أو الإضرار بالأمن القومي للبلاد أو بمركزها الاقتصادي أو منع ممارسة السلطات العامة أعمالهاأو عرقلتها، أو تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح أو الإضرار بالوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي تكون العقوبة السجن المشدد». والمادة أثارت مخاوف حقوقيين ومعارضين.

يقول نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان عبدالغفار شكر لـ «الحياة»: «القانون على رغم أنه كان ضرورياً لضبط الإنترنت، لكنه استخدم مصطلحات فضفاضة عادة ما تثار المخاوف والشكوك حول توظيفها، خصوصاً أنها غير محددة بتصرفات بعينها يمكن تحديد ما المقصود بالمساس بالأمن القومي والوحدة الوطنية وهكذا... لذا فكان يجب تجنب مثل تلك المصطلحات الفضفاصة.

واختلف معه أستاذ القانون الدستوري عبدلله المغازي إذ قال لـ»الحياة»: «العبارات الفضفاضة موجودة في كل قوانين العالم، لكن الفيصل هنا هو القضاء، فالقاضي هو المخول تحديد ما إذا كان الفعل يمس بالأمن القومي أو لا، ومن ثم يصبح هو الحصانة من سوء استخدام تلك العبارات منر جل الإدارة. وتابع: «قد يعتبر رجل الإدارة أن تعبير أحدهم عن رأيه أو انتقاده أوضاعاً سياسية أو اقتصادية معينة هو مساس للأمن القومي، غافلاً حق التعبير عن الرأي وهو حق إنساني مشروع، وهنا يأتي القضاء فيصلاً». ولفت المغازي إلى أنه على مدار السنوات الماضية برأ القضاء كثيرين ممن اُتهموا بجرائم تتعلق بالأمن القومي، بعدما يتضح للقضاء خلال المحاكمة أن الأفعال تم تهويلها ومن ثم تحكم بالبراءة، وأضاف: «حتى لو استنفزت المحاكمات وقتاً أوقف خلالها المتهم لكنه يبرأ في النهاية».

وعلى خلاف الاشاعات التي تلعب أدواراً في بلبلة الرأي العام، يدشن نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي صفحات تحمل أسماء شخصيات عامة، خصوصاً السياسية بعضها توارى عن المشهد مثل الرئيس السابق حسني مبارك وزوجته سوزان مبارك، تحمل تعليقات فكاهية على أحداث وأمور تشغل الرأي العام، وتنتقد الأوضاع بصورة ساخرة، وتلك الصفحات لا يشك أحد من المتعاملين معها في هزليتها، إذ بات معلوماً أنها صفحات ساخرة على نحو أقرب إلى القصص المصورة «الكوميكس» حديثاً والكاريكاتير قديماً. ووفق القانون الجديد باتت تلك الصفحات مجرمة، ويقع مؤسسوها تحت طائلة القانون، وبعضهم قد يحصلون على أحكام مشددة لانتحالهم صفة شخصيات قيادية في الدولة.

حجب المواقع!

من جهة أخرى، جدد القانون الجدل حول «حجب المواقع» في مصر، إذ وضع ضوابط مفصلة لحجب المواقع، يعد القضاء الطرف الرئيس فيها، إذ منح القانون جهة التحقيق المختصة الحق في حجب أي موقع يبث من داخل مصر أو خارجها «متى قامت أدلة على قيام الموقع بوضع أي عبارات أو أرقام أو صور أو أفلام أو أي مواد دعائية، أو ما في حكمها مما يعد جريمة من الجرائم المنصوص عليها في القانون، وتشكل تهديداً للأمن القومي أو تعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر»، لكنه في الوقت ذاته ألزمها أن تعرض قرار الحجب على المحكمة المختصة خلال 24 ساعة، مشفوعاً بمذكرة برأيها، على أن تصدر المحكمة قرارها في مدة لا تجاوز 72 ساعة، بالقبول أو بالرفض.

والقانون الذي جاء محدداً للمرة الأولى إجراءات مفصلة لحجب المواقع، يمنح في كل مراحله حق الطعن لمن حجبت مواقعهم، عده البعض ميزة، إذ أخرج تلك الإجراءات والتي كانت من قبل تقديرية لأجهزة الأمن إلى سلطة القضاء، لتصبح هي الحكم في مدى استحقاق موقع ما الحجب من دونه، وأحد هؤلاء نائب المجلس القومي لحقوق الإنسان عبدالغفار شكر، قائلاً: حجب المواقع يجب ألا يتم سوى تحت طائلة القضاء، والقانون ضبط ذلك.

لكن في المقابل، لا يرى الصحافي ورئيس تحرير موقع «البداية» وهو أحد المواقع المحجوبة في مصر خالد البلشي الأمر إيجابياً: «القانون يقنن ما لا يجب تقنينه، فحجب المواقع هو تعدٍ صارخ على الحريات، ومساس بعيش مئات من العاملين فيه، فحتى إذا أساء موقع في أحد مواده، لماذا أعاقب كل العاملين فيه وأحجبه تماماً وليس فقط المادة محل الأزمة»، وأضاف: «كما أن القانون منح جهة التحقيق في البداية حق الحجب ثم يأتي دور القضاء».

ويشير عبدلله المغازي إلى أن القانون «لا يطبق بأثر رجعي، بمعنى أنه لا تمكن الاستعانة بمواد القانون التي تضع ضوابط محددة وخطوات لحجب المواقع، لأطالب بها الجهات التنفيذية النظر في شأن المواقع المحجوبة قبل صدوره، لكنه على رغم ذلك يفيد أصحاب المواقع المحجوبة بإمكان الطعن أمام القضاء على قرار حجبها، ومن ثم ينتقل القرار في ذلك إلى القضاء، الذي يمكن أن يثبت حجبها أو يرفضه وفق ما بين يديه من أدلة وأسباب دعت الجهات التنفيذية إلى حجبه».

لكن رئيس تحرير موقع «البداية» المحجوب يستبعد اللجوء إلى «الطعن» لإعادة تشغيل موقعه، على رغم أنه لم يبث أي مواد تستدعي الحظر وفق قوله، إذ «كيف نطعن بقرار لم نعلم بالضبط أسبابه أو الجهة التي أصدرته، فمن نخاصم في طعننا؟». وأضاف: «نحن نرفض الاستعانة بأحد مواد ذلك القانون الذي نعتبره حلقة جديدة في التضييق على حرية الرأي والتعبير في مصر».