«سيّدي الرئيس» لبوريس فيّان: أدونيس في معمعة سوء التفاهم

ابراهيم العريس |

لم يثر مقال كتبه مثقف أو مبدع عربي، خلال السنوات الأخيرة، من الصخب السجالي والغضب، بمقدار ما فعل مقال كتبه الشاعر أدونيس ونشره في صحيفة «الحياة» في عز اندلاع الثورة السورية. فتحت عنوان «سيّدي الرئيس» الموجّه إلى رئيس النظام السوري، أتى النصّ يومها مبهماً بعض الشيء، على الطريقة الأدونيسية. لقد كمنت مشكلة المقال يومها في عنوانه لا في سياقه بالتحديد، بخاصة أن كثراً يومها، ومن دون أن يتمعنوا في قراءة النصّ، أو حتى من دون أن يقرأوه على الإطلاق، حكموا عليه من العنوان بالتضافر مع انتماء أدونيس الطائفي «المفترض» على أي حال. وهنا لا نريد أن ندافع عن أدونيس ولا عن نصّه، كما أننا لا نتوخى بالتأكيد فتح السجال من جديد. كل ما في الأمر أننا نرغب في توضيح ما لم يكن واضحاً يومها. وهو تحديداً أن ذلك المقال كان كله في العنوان، ولكن ليس بالمعنى الذي فهمه مثقفون عرب لا يزالون ينتمون إلى زمن ما قبل الدلالات.


> وذلك لأن أدونيس ذا الثقافة الفرنسية والإطلاع الواسع على الشعر الفرنسي الحديث، لجأ إلى الدلالة التي يحملها العنوان في تاريخيته، غير مدرك أن قراءه لن يجاروه في هذا. ولنوضح أكثر: العنوان الذي استخدمه أدونيس يومها، مأخوذ من عنوان قصيدة اشتهرت مسجلة بصوت ناظمها الأديب الفرنسي بوريس فيّان، كما اشتهرت كأغنية أنشدها كثر من المطربين الفرنسيين وعلى رأسهم سيرج ريجياني. وللقصيدة عنوان آخر هو «الفار من الجندية» لكنها اشتهرت باستخدام بيتها الأول كعنوان، هي التي صيغت كرسالة احتجاج قوية موجهة إلى الرئيس الفرنسي لدفعه الشبان الفرنسيين المجندين إلى القتل والقتال والموت في الحرب الجزائرية، حيث تقول في مقطعها الأول: «سيدي الرئيس/ أكتب إليك رسالة/ ربما ستقرأها/ إن توفّر لك الوقت/ لقد تلقيت أوراق تجنيدي العسكرية/ كي أذهب إلى الحرب/ قبل مساء الأربعاء/ سيدي الرئيس/ أنا لا أريد أن أفعل هذا/ فأنا لست في هذه الأرض/ كي أقتل البائسين/ وليس لكي أغضبك/ أقول لك هنا/ أني اتخذت قراري وقُضي الأمر/ سأفر من الجندية/ فأنا مذ ولدت/ رأيت أبي يُقتل/ رأيت إخوتي يرحلون/ وأطفالي يبكون/ وأمي تعاني/ هي التي اليوم في قبرها/ تسخر من قنابلكم(...).

> حين نشرت هذه القصيدة وأنشدت باتت في فرنسا على كل شفة ولسان، وكان ذلك إبان السجالات الكبرى حول الحرب في الهند الصينية والحرب الجزائرية. ومن هنا بات يكفي - ولا يزال الأمر كذلك حتى اليوم - أن تقول في فرنسا عبارة «سيدي الرئيس» حتى تبدو وكأنك تمارس أقصى درجات الاحتجاج ضد السلطة العليا في البلاد في زمن الحرب، ما كان ولا يزال يعتبر من قبيل الخيانة العظمى. وفي يقيننا أن هذا ما كان في بال أدونيس وهو يستخدم ذلك العنوان معتقداً أنه، كما حاله في المجتمع الفرنسي، يحمل دلالاته في ذاته، ويكفي للتعبير عن موقف ما، يريده صاحبه أن يبقى عند حدود الرمز، غير متجاوز ذلك إلى عالم الوضوح. ففي نهاية الأمر، يوم نشر المقالة لم يكن بوسع أدونيس أن يتماشى مع «ثورة» كان جزء كبير منها، في ذلك الحين، قد تحول إلى بعد طائفي!

> مرة أخرى لا نريد هنا أن ندافع عن أدونيس أو ندخل في سجال تعمّدنا التأخر عنه بضع سنوات. كل ما في الأمر أننا رغبنا في هذا التوضيح لنغمز من خلاله من قناة مثقفين كبار يصعب عليهم أن يدركوا أن ما يصح في مجتمع قد يتحوّل سوء تفاهم في مجتمع آخر، أو يُفهم في شكل مفارق تماماً في مجتمع ثالث. ومهما يكن، هي مناسبة على أي حال للعودة، من خلال أدونيس و «هفوته» إلى ذلك الشاعر الكبير الذي كانه بوريس فيّان الذي لم يعش سوى تسعة وثلاثين عاماً، ولم ينل ما يستحق من الشهرة إلا بعد موته المبكر. أما روايته الكبرى والأساسية والتي كان يمكن لها أن تعود عليه بشهرة كبيرة، رواية «سوف أبصق على قبوركم» فإنه وقعها باسم مستعار أول الأمر، ولم يعرف أنه هو كاتبها إلا بعد نشرها بزمن طويل. في حين أن قصيدته الأشهر «سيدي الرئيس» ارتبطت باسم مغنيها أكثر مما ارتبطت بشاعرها!. ومع هذا كله فإن فيّان يعتبر مَعْلَماً أساسياً من معالم الحياة الثقافية في فرنسا خلال تلك الفترة الذهبية. وذلك لأنه عبّر في كتاباته، كما في حياته نفسها، عن ذلك التوق إلى الحياة والخوف من المرض والموت، والانكباب الوجودي على النهل من كل ما هو متوافر على طريقة «اعمل لدنياك كأنك راحل غداً».

> كان بوريس فيّان باختصار، باريس تلك المرحلة الغامضة والصاخبة: الشعر، الحياة الثقافية بتجلياتها وأوساخها، الحرب الجزائرية، أقبية السان جرمان دي بريه، موسيقى الجاز، أول بذور النضال ضد العنصرية، الغناء والأدب كعنصر فاعل في يومية الحياة. هذا كله عاشه فيّان وتمثله شعاراً لحياته، فكان شاعراً وروائياً وموسيقياً ومؤلفاً للأغاني وعازفاً وعربيداً وساخراً كبيراً. كان، بكل اختصار، رجلاً يركض ضد الموت. وذلك بكل بساطة لأن الموت كان يطارده في كل لحظة. كان الإحساس بمطاردة الموت شعوراً شخصياً لديه، لكنه كان شعور أجيال بأسرها، في فرنسا التي وجدت نفسها تخرج في ذلك الحين من أتون الحرب العالمية الثانية والهزيمة المهزلة التي أصابتها خلالها، إلى حرب الهند الصينية إلى الحرب الجزائرية. وفي الوقت نفسه كان الإحساس بالموت كبيراً لدى فيّان بسبب إصابته المبكرة بمرض القلب الذي عاد وقضى عليه باكراً بعد ذلك.

> ولد بوريس فيّان قرب باريس في 1920، ودرس الفلسفة ثم نال ديبلوماً في الهندسة في 1942. وهو بعد الحرب أخذ يرتاد أماكن تجمّع الحلقات الوجودية في الحي اللاتيني ومنطقة سان جرمان ثم راح يكتب الأغاني، بعد أن كان واحداً ممن اكتشفوا في موسيقى السود الأميركيين (الجاز) فعل احتفال بالحياة، وإبداعاً ثقافياً راقياً، فكان بهذا من أولئك الذين أحلوا موسيقى الجاز وسط حلقات المثقفين بديلة من «الجافا» و «الفالس» وشتى أصناف الموسيقى الشعبية الفرنسية، في شكل جعل حركة انتشار الجاز في فرنسا، ترتبط حتى اليوم باسم بوريس فيّان.

> في العام 1946 نشر فيّان روايته الأولى تحت اسم مستعار هو فرنون ساليفان (ولم يكن من الصدفة أن يكون الاسم الذي اختاره لنفسه أميركياً). المهم أن روايته تلك أثارت عاصفة واعتبرت فضيحة، وذلك لأن «سوف أبصق على قبوركم» عرفت كيف تمزج بين العنف والجنس والتصدي للعنصرية، في بوتقة واحدة. غير أن تلك الرواية (التي حُوّلت فيلماً شهيراً بعد ذلك) كانت أول وآخر رواية يكتبها فيّان في هذا الإطار، إذ بعد ذلك اتسمت أعماله بطابع شاعري حافل بالمرح وبنوع غامض من الرومانسية، ومن أشهر تلك الأعمال: «خريف بكين» (1947) «العشب الأحمر» (1950) و «نازع القلب من مكانه» (1953). هذا بالنسبة إلى الروايات والنصوص النثرية، أما بالنسبة إلى المجموعات الشعرية فقد أصدر العديد منها وأبرزها «النمل» (1949). أما للمسرح فكتب فيّان العديد من النصوص ومن أبرزها «بناة الأمبراطورية» (1959) و»إفطار الجنرالات» (نشرت بعد موته، في العام 1965) وكتب فيّان كذلك نص أوبرا للموسيقي داريوش ميلو بعنوان «فييستا» (العيد). وعلى رغم تعدد كتاباته ونشاطاته ومواهبه، وتحوله إلى أسطورة، فإن النص الأبرز بين نصوص فيّان كافة كان «زبد الأيام» (1947)، الرواية التي اعتبرت - ولا تزال تعتبر - تعبيراً عن جيل بأسره، يمتزج فيها التهكم بالقلق، والخوف من الموت بالانفتاح على الحياة، وتصور عالم الحياة الثقافية الباريسية خلال تلك السنوات الزاهية. وتلك الرواية هي في الأصل حكاية حب بين كلوي وزوجها كولين، الذي يعيش معاناة شاقة ويهلك تماماً وهو يحاول إنقاذها من مرض سوف يقضي عليها. غير أن فيّان عرف كيف يرسم، عبر حكاية الغرام والتضحية المفعمة بالرومانسية هذه، عالم حلم تتقاطعه مشاهد في غاية الطرافة، وينزرع بشخصيات مستقاة، بكاريكاتورية متعمدة، من واقع الحياة، ومنها شخصية جان - سول بارتر (المستقاة بالطبع من شخصية سارتر) وهي شخصية يقدمها فيّان في شكل مثير للسخرية وحنون في الوقت نفسه.

> لقد مات فيّان باكراً، ولم يشتهر إلا بعد موته. ومع هذا كان واحداً من أولئك المبدعين الذين، على رغم مرورهم كالنيزك، يؤشرون إلى جيل بأسره، ويشيرون إلى عوالم غنية تعكس غنى الحياة وتعقدها في زمننا هذا.