إدلب معركة أم وليمة دولية؟

سميرة المسالمة |

تحاصر إدلب محاصريها من دول تمركزت قواتهم على حدودها، أو تغلغلت داخلها تحت مسمى حمايتها، أو الوصاية عليها، وحتى تلك الدول التي اعتمدت مبدأ القتال «بالتغريد» والتصريح والتهديد، فهذه المعركة لم يعد فيها النصر للأقوى فحسب، ولم يعد فيها النصر يعني التموضع في المكان، مقابل انزياح المهزوم وتآكله، هي معركة، المنتصر فيها مهزوم إنسانياً، والمهزوم فيها هو الإنسان، مقتول وقاتل، وغنائمها لحم محروق من بشر، كحال خسائرها، يتقاسمها كل المتحلقين حول مائدتها، فلا أحد يخرج منها غير مدان بأكل لحم أخيه «إدلبياً» ومهجراً.


فكل ما ستؤول إليه تلك المعركة خسارة للسوريين على طرفي الصراع، وهي وليمة ناضجة من لحومهم الحية، ينتهشها كل المتدخلين، مع، أو ضد، أو حتى على الحياد، فهذه الوليمة من أجساد الأطفال والنساء والرجال، كبيرهم وصغيرهم، ليس فيها من لا شأن له، بعيداً كان، أو قريباً، بعضه يتسمم بلحومها، وبعضه الآخر يتلذذ بها، وبعض من بعض يعلن انتصاره الوحشي على قيمة الحياة، وحقوق الإنسان، فالأطراف المنخرطة في طبخة الحرب من إيران وروسيا تحت غطاء استعادة الهيمنة على إدلب للنظام، وتركيا والولايات المتحدة الأميركية ومعها تحالف من دول أوروبية تحت عناوين «أصدقاء سورية»، جميعهم سيجلسون إلى مائدة واحدة، يتناولون حصتهم من حفلة شواء «إدلبية» على نار القرارات الدولية، وبرقابة أممية.

هكذا قيض لإدلب أن تكون آخر معارك الوهم السوري المسلح على كلا الطرفين، فلا وهم المعارضة نفعهم، بإقامة نفوذ لهم على تلك البقعة الخضراء، ينطلقون منها إلى ما تبقى من سورية، عبر التفاوض والمساومة، ولا وهم النظام بأن استعادة نفوذه على كامل سورية سهل وميسور، على رغم دخول إيران وقتالها معه جنباً إلى جنب في كل معاركه، وسيطرة روسيا حليفته على كامل سمائه، ومعظم قراره، فلا المعارضة كسبت أرضاً تعيد من خلالها سيرتها الأولى في الثورة، ببناء نموذج حكم محلي عادل، تمحي من خلاله ما تحمله ذاكرة السوريين من ألم ذكريات حكم الأمن التعسفي، حيث لم تمكنها أي «للمعارضة» الفصائل المسلحة المؤدلجة، والمتطرف بعضها، من أن تكون هذه المناطق مستقراً لها، تقود حراكها الديبلوماسي والسياسي انطلاقاً من داخل سورية ولأجلها.

لم يكن «السيناريو» المتكرر لترحيل المقاتلين الرافضين للتسوية، والأهالي من مختلف مناطق سورية إلى إدلب، يخفي ما ستؤول إليه الأحداث لاحقاً، «إنها الحرب الكبرى» فقد كانت عملية تجميع مدروسة، ومتفق عليها، ومسكوت عنها دولياً، وتتم تحت رعاية أممية في بعض الأحيان، وبالاستناد إلى شعارات إنسانية، لا تختلف عن تلك التي يطلقها في هذه الأوقات، المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا حول «ذهابه إلى إدلب وتأمين ممر إنساني لخروج المدنيين من المحرقة المقبلة»، تصريحاته ذاتها قبيل معركة حلب، على رغم أنه هذه المرة لا يطالب بإخراج الناس المتعاطف معهم، من تحت قصف النظام إلى إدلب، كما جرت العادة، وإنما من إدلب إلى مناطق حكم النظام، ليلاقوا القصاص الذي نجو منه مرة، ويعودوا إليه اليوم طائعين.

أي أن مضمون ما يريده المبعوث الدولي لا يختلف عن دعوات العودة إلى مناطق النظام، وربما تتطور لاحقاً للدعوة إلى إعادة إعمارها، تحت عنوان تمكين العائدين من أسباب العيش، بمعنى أنها جزء من حملة روسيا التي تعيد فيها انتشار السكان وفق خريطتها المدروسة، في الوقت الذي تعد لمجزرة كبرى وتصورها روسيا على أنها عملية تدمير و «تطهير» لـ «بؤرة الإرهابيين»، متناسين أن هذه البؤرة المصطنعة هم من قاموا بتجميع محتوياتها، وتلفيقها، وإلزام المواطنين المدنيين بالتعايش معها، وفقاً لمصالحاتهم، وتسوياتهم مع الإرهابيين في النصرة، سواء داخل سورية، حمص ومخيم اليرموك وريف دمشق، وحلب، أم خارجها (في لبنان)، حيث نقل إلى إدلب مئات من مقاتلي جبهة النصرة بباصات مكيفة ومحمية من طيرانهم في السماء، ومن حلفائهم في الأرض (حزب الله وإيران).

وفي المحصلة فإن وجود جبهة تحرير الشام «النصرة سابقاً» ليس بقرار ذاتي فحسب، وإنما بإرادة دولية، تعاملت مع وجودها كأداة مساومة قيمة، تستخدمها كفزاعة عند الحاجة، سواء بالهجوم، أو الدفاع، أو بتمرير صفقات التسويات، حيث لم تتواجد في مكان، إلا واستطاع النظام وحلفاؤه من استعادته، تحت حجج محاربة الإرهاب، على رغم عمليات إعادة نشرهم في مناطق أخرى، التي تتم تحت مسمى «الترحيل»، ما يعني أن الأدوار الوظيفية لقادة جبهة النصرة التي تلخصت في حربهم على فصائل الجيش الحر، وإنهاء دوره منذ عام 2013، باحتلال كل مناطق نفوذه، ومن ثم تهيئة الظروف المناسبة لتمكين الفصائل الأيديولوجية الدينية ذات التبعيات الخارجية لتحل مكانه، نتيجة خلو الساحة لهم، ما ساعد النظام على تحويل المعركة إعلامياً، من سياسية سورية بينية، إلى صراع بينه كدولة ونظام «علماني»، مع فصائل متطرفة وأيديولوجية إسلامية، تتقدمها النصرة أو جبهة تحرير الشام، إلا أنها تتضمن فعلياً الحرب على كل من رفع شعاراً، أو سلاحاً بوجه حكم النظام الاستبدادي.

في النتيجة ليس هناك الكثير من الاحتمالات، فقد هيأت جبهة تحرير الشام المناخات المناسبة لتجعل أصوات طبول المعركة في إدلب عالية، وهذا لا يعني الحرب بالضرورة، بقدر ما يعني أنها حرب معركة المساومات النهائية، التي تجعل من الولايات المتحدة الأميركية قلقة لوجود الإرهابيين في إدلب (تصريح بومبيو وزير الخارجية الأميركي الأربعاء 5 أيلول- سبتمبر)، ومن ثم إعطاء الموافقة العلنية للنظام وحلفائه من قبل المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، عبر تغريدة لها على خوض معركة استرداد إدلب شرط عدم استخدام السلاح الكيماوي، متجاوزة بذلك أن النظام من المفروض أنه سلم لهم سلاحه الكيماوي، فهل كان ذلك تصريحاً خفياً بقبول الإدارة الأميركية حقيقة امتلاك النظام للكيماوي، خلافاً لصفقة أوباما (الرئيس السابق للولايات المتحدة) معه؟

ومع كل ذلك فإذا كانت طاولة المساومات الثنائية والثلاثية التي تعقد في إيران لن تتجاهل ما يحفظ ماء وجه تركيا، على حساب إعادة تأهيل الطرق الأساسية بين إدلب والعاصمة مروراً بالساحل وحلب، والمقايضة على المناطق، وبما يقضي دخول الجهات التنفيذية دون الأمنية والعسكرية للنظام إلى إدلب، تحت الحراسة الروسية- التركية المشتركة، ويبقي على النقاط التركية بالشراكة أيضاً، فإن ذلك من شأنه أن يجعل المعركة في إدلب «صورية»، وموجهة ضد المنشقين عن النصرة في الطاعة لتركيا.

وبالتالي فهذه معركة يمكن تحديد موقعها، وزمانها، وحتى خسائرها، التي تبدو تركيا تسجل فيها أعلى معدل من الخسائر، بفعل الموقف الأميركي الذي في مضمونه موجهاً ضدها، وليس بهدف الحرب على الإرهاب، وحيث طبول الحرب ورائحة جرائم القصف الروسي، وما يمكن عقده من تسويات، تعيد ترتيب حصص المقايضات الدولية، فإنها في الوقت ذاته تعيد من جديد الحل في سورية إلى طاولة جنيف، بعيداً من مساري آستانة وسوتشي، ليكون اعتماداً على نتائج اجتماع باريس «اللاورقة 24/1/2018» الأميركية الغربية العربية (باريس، لندن، الولايات المتحدة الأميركية، السعودية، الأردن) التي تضمنت بنوداً عن: إصلاح الدستور، والفيديرالية، وتقليص صلاحيات الرئيس، والنظام البرلماني، وهو ما كان محور آستانة سوتشي ومن معهم من معارضات قد رفضها، ومهد لما نحن فيه من مناطق خفض التصعيد إلى مناطق المجازر الجماعية.

* كاتبة سورية