سمير أمين أستاذ «الهامش» في مواجهة «المركز»

وليد محمود عبدالناصر |

رحل عن عالمنا منذ أيام المفكر المصري والعربي والأفريقي والعالمي الكبير الدكتور سمير أمين، بعد حياة حافلة بالعطاء الفكري والنشاط الحركي، وبعد إنتاج وفير وثري ومتميز من الكتابات التي أثرت في تاريخ التطور الفكري الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات البشرية بصفة عامة ومجتمعات الجنوب على وجه الخصوص في النصف الثاني من القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، إضافة إلى عدد مهم من المواقف المبدئية والتوجهات الواضحة والصريحة التي تبناها وأعلن عنها بشجاعة أدبية تحسب له ودافع عنها وسعى إلى تبريرها وتفسيرها أمام الآخرين وكسب دعمهم لها، وذلك إزاء الكثير من القضايا والتحديات الدولية والإقليمية التي عايشها ومرت أمامه وتعرف إليها وفهمها، وكانت تلك الإسهامات الفكرية والمواقف العملية مجتمعة هي التي شكلت بدورها مسيرة حياته وميّزت نضاله الفكري والعملي على مدار تلك العقود الطويلة.


وقد أتاحت لي الظروف الاستماع بشكل مباشر إلى محاضرة للأستاذ الدكتور سمير أمين لأول مرة في سن مبكرة عندما كنت طالباً في الجامعة، وذلك عندما تم الإعلان من قبل الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع في ذلك الوقت، عن أن المفكر الكبير الدكتور سمير أمين سيشارك ويحاضر في فاعليات المؤتمر السنوي للجمعية، وذلك في أول مؤتمر دوري لها عقدته بعد اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وبعد فتح الباب واسعاً آنذاك للنقاش حول كيفية صياغة مستقبل مصر بشكل عام واقتصادها على وجه الخصوص. وكان الحضور مكثفاً، بخاصة من شباب الجامعات، وكان حرص الشباب بشكل خاص على حضور محاضرة الدكتور سمير أمين خلال فعاليات المؤتمر وردوده على ما وجه إليه من أسئلة أو تعليقات، أو حتى انتقادات، في ضوء شهرته الطاغية لدى الشباب المصري المثقف في تلك الأيام.

وكان جل محاضرة الدكتور سمير أمين آنذاك هو عرض رؤيته لكيفية انطباق ما حصل على تسميته «مدرسة التبعية» على الظروف العالمية والإقليمية القائمة –آنذاك- وتأثير ذلك في مصر والمنطقة العربية، و «مدرسة التبعية» هي المدرسة الشهيرة في فكر العلاقات الدولية والسعي إلى تفسيرها، والتي كان الراحل أحد أبرز مفكريها ورموزها وأهمهم، والتي تبلورت ونالت الشهرة والشعبية في الكثير من بلدان الجنوب وبين مثقفيها منذ ظهورها في نهايات الأربعينات وبدايات الخمسينات من القرن العشرين. وتزامن ذلك مع الحراك النابض والمتسارع والواسع لتحقيق التحرر الوطني ونيل الاستقلال في بلدان الجنوب، وفي أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع بواكير الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

وإذا كانت «مدرسة التبعية» قد تم النظر إليها من جانب البعض على أنها أحد تجليات الفكر الماركسي، فإنها تميزت بأن محور اهتمامها وتركيزها لم يكن العالم المتقدم بل شعوب العالم الثالث ومعاناتهم وهمومهم وتطلعاتهم وآمالهم وأحلامهم، وشرح الأسباب التاريخية لتلك المعاناة والسبل للخلاص منها عبر فك الارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي والخروج التام من تحت عباءته والانسلاخ النهائي عنه، وذلك ضمن منظومة متكاملة من السبل ومن خلال استراتيجية شاملة للنضال بمختلف الوسائل لتحقيق تلك الغاية، وبذلك تخلص منظرو «مدرسة التبعية» من المركزية الأوروبية التي عابت الكثير من المدارس الفكرية التي نشأت متفرعة عن الماركسية على وجه الخصوص أو المنتمية للتيار العريض لليسار عموماً، وذلك مع الإقرار بوجود اختلافات في الاجتهادات فيما بين مفكري هذه المدرسة، وقام هؤلاء المنظرون، وفي مقدمتهم الراحل الدكتور سمير أمين، بهذا الإسهام الفكري الضخم على مدار سنوات طويلة عبر تحليل تاريخي واقتصادي واجتماعي كان في جوهره يركز على أن التناقض الرئيس في العالم منذ منتصف القرن العشرين يكمن في التناقض بين «المركز» و «الهامش» ومصالح كل منهما، فيما يرمز التعبير الأول للبلدان الصناعية، الرأسمالية المتقدمة، ويرمز التعبير الثاني إلى بلدان العالم الثالث، كما أن هذا التحليل أرجع جل ما حققه «المركز» من تقدم اقتصادي واجتماعي، ومن ثم ما اكتسبه وراكمه من ثروة وقوة ونفوذ على الساحة العالمية إلى ما مارسه وما زال يمارسه، وفق منظري «مدرسة التبعية»، من عملية نهب منظمة وممنهجة وذات طابع هيكلي للهامش وبلدانه وشعوبه وثرواته.

ولم يمض على تلك المناسبة سوى سنوات قليلة حتى التقيت الأستاذ الدكتور سمير أمين خلال مشاركته في أعمال مؤتمر دولي نظمته منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية في العاصمة المصرية القاهرة بمناسبة مرور ثلاثة عقود على مؤتمر باندونغ الأفريقي الآسيوي، عام 1955، وكانت لي فرصة المشاركة في هذا المؤتمر، ومن ثم الجلوس في مناسبات عدة لسماع مناقشات في إطار جلسات مصغرة للمفكر الراحل مع مشاركين آخرين في المؤتمر وكذلك التحاور معه مباشرة، بهدف التعرف إلى آرائه إزاء الكثير من القضايا المطروحة- آنذاك- مصرياً وعربياً وعالمياً، إضافة بالطبع إلى الاستماع إلى الكلمات والتدخلات التي ألقاها على مدار أيام ذلك المؤتمر، والتي تمحورت حول إيمان الراحل بالدور المركزي الذي لعبه وما زال يمكن أن يلعبه التضامن الأفريقي الآسيوي في التأثير في مسار الأحداث الدولية وإعادة تشكيل مسار الإنسانية بعيداً من الهيمنة والاستعمار الجديد. وكان المفكر الراحل يتكلم عن الأمر بقناعة يقينية وإيمان لا يلين بقدرات بلدان آسيا وأفريقيا وإمكاناتها إذا تحققت لها الإرادة، أي إرادة «باندونغ»، وتوافر لها حد أدنى مطلوب من التضامن والتكاتف والتماسك، وكذلك امتلاك تلك البلدان ما يكفي من مقومات القوة والمناعة. ولم تكن هذه القناعات لدى الراحل الدكتور سمير أمين مقصورة على المستوى الفكري، بل انتقلت إلى الواقع العملي وتمت ترجمتها إلى نشاط على الأرض، وتمثل ذلك في دوره الرئيس في تأسيس عدد من المؤسسات الإفريقية المهمة مثل المعهد الإفريقي للتنمية والتخطيط في دكار، والذي تولى مهمة إدارته أيضاً لسنوات، وكذلك المجلس الإفريقي لتنمية البحوث الإفريقية.

وبجانب دوائر الانتماء المصري والإفريقي والعالمي، لم تغب دائرة الانتماء العربي قط عن المفكر الكبير الراحل سمير أمين، إلا أن تعريفه بهذا الانتماء والتعبير عنه ارتبطا عضوياً بالضرورة ونتجا عن انتمائه الأيديولوجي عموماً وتشكلا طبقاً لقناعاته العقائدية والمنهجية، وينطبق ذلك على تناوله المتعمق للتحولات التي مر بها الوطن العربي بدءاً من منتصف عقد السبعينات في القرن العشرين، وذلك في أعقاب تحولات إقليمية تمثلت في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 و «صدمة النفط» التي واجهها الغرب أثناء هذه الحرب وعقبها، وارتباط ذلك بتوجه لدى بلدان الجنوب بشكل عام لممارسة السيادة والسيطرة على مواردها الطبيعية ومحاولتها إعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي على أسس عادلة، ودلالات حدوث ذلك أيضاً عقب انطلاق سياسة «الوفاق» أو «الانفراج» بين المعسكرين الشرقي والغربي عام 1972، وإذا كان الدكتور سمير أمين قد عالج الأوضاع العربية من منظور الحديث عن «أمة» عربية، فإنه عالجها بالقدر ذاته من المنظور الطبقي الاقتصادي الاجتماعي للمساعدة على فهم ما جري وأسبابه وجذوره وخلفياته، كما أنه حرص على توضيح أن قوى الهيمنة والاستعمار الجديد لن تترك الوطن العربي يحقق لا الاستقرار والأمن ولا السلم الأهلي ولا التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولا العدالة وسيحاول إعاقة البلدان العربية عن تحقيق ذلك بكافة الأساليب الممكنة، بما في ذلك وسائل ليس لها أي مشروعية أو سند من وجهة نظر القانون الدولي.

وظهرت دائرة الانتماء العربي بقوة مجدداً، وكما كان متوقعاً منه، لدى الدكتور سمير أمين خلال وفي أعقاب ما سمّي «الربيع العربي» الجاري منذ نهايات 2010 وعلى مدار 2011، وكانت له العديد من الإسهامات المهمة في سياق العمل على تفسير ما حدث وتحليله وقراءة آفاقه المستقبلية على الشعوب العربية وعلي البلدان المجاورة وعلى العالم بأسره، وكذلك ارتباطه بما يشهده النظام الرأسمالي العالمي من تحولات وما يواجهه من تحديات وما يحمل بداخله من تناقضات، وكذلك علاقة الواقع الجديد الذي أوجده «الربيع العربي» بالمطامع الاستعمارية لبلدان متقدمة في الوطن العربي وثرواته وموقعه الاستراتيجي. وواكبت كتاباته ومحاضراته المراحل المختلفة المتعاقبة في مسيرة «الربيع العربي»، وتحولاته منذ ذلك الحين حتى وفاته، وحرص خلالها جميعاً على التنبيه إلى ضرورة الحفاظ على الاستقلال الوطني وحمايته، وكذلك السعي لبناء قاعدة وطنية اقتصادية وإنتاجية صلبة وقوية ترتكز على الصناعة، مع دعوته إلى بناء تعاون عربي/ عربي على أسس جديدة كمقدمة لانبعاث التعاون جنوب/ جنوب، وكذلك المطالبة بإحياء حركة عدم الانحياز كحركة جامعة لبلدان الجنوب وعلى أساس الأخذ في الاعتبار المتغيرات الدولية، منذ نشأة الحركة في ستينات القرن العشرين وتحويلها إلى حركة تجمع الدول الساعية لإقامة العدالة على الصعيد الدولي، كذلك دعا الشعوب العربية إلى عدم الخضوع للضغوط الأجنبية أو الانصياع لمنطق العولمة الراهن الذي يخدم البلدان الراسمالية المتقدمة فقط، مناشداً الدول العربية لتكون في طليعة البلدان المناضلة من أجل إقامة عولمة عادلة.

وهكذا رحل المفكر الكبير الدكتور سمير أمين، بعد أن ترك بصماته في مجالات متعددة من الفكر العربي والأفريقي والإنساني، وكذلك في ميادين مختلفة دفاعاً عن مصالح بلدان الجنوب في وجه نظام عالمي اعتبره ظالماً لتلك البلدان، كما انغمس في قضايا تمس حياة الشعوب، بخاصة المواطنين البسطاء الذين انحاز إليهم الدكتور سمير أمين منذ مرحلة مبكرة في حياته عن وعي واختيار واستمر ملتزماً به وسائراً على نهجه حتى ودع دنيانا.

* مفكر وكاتب مصري