«رؤى سيمون ماشار» لبريخت: جان دارك ضد النازيين

ابراهيم العريس |

لو كان الكاتب الألماني برتولد بريخت حياً في أزماننا هذه، ولاحظ يوم الأول من أيار (مايو) من كل عام كيف أن اليمين المتطرف الفرنسي يختار يوم عيد العمال للإحتفال بذكرى جان دارك التي يعتبرها بطلة قومية وتمكن من انتزاعها من تاريخ مقاومة الشعب الفرنسي لضمها إلى ريبرتواره، لو كان بريخت حياً لأصيب بالحيرة: فهو لم يتوقف، وفي ما لا يقل عن ثلاث مسرحيات له، عن التعامل مع جان دارك بوصفها بطلة للمقاومة الفرنسية، مباشرة أو بالترميز، ضد الإحتلال الألماني. فكيف حدث أن يميناً متطرفاً فرنسياً ناصر النازيين إلى درجة كبيرة، يحتفل بتلك البطلة؟ مهما يكن، في نهاية الأمر كان من شأن بريخت أن يضحك ويتحدث عن سخرية التاريخ وينسى الأمر بالطبع. فهو كان أكثر انشغالاً من أن يتوقف عندة مثل هذه الترهات. فجان دارك، سواء كانت «قديسة للمسلبخ» أو «ضحية المحاكمة والمحرقة»، أو عائدة للظهور تحت إسم سيمون ماشار- تباعاً في مسرحياته الثلاث التي نشير إليها- ستظل ذلك الرمز المقاوم.


> وهي ستظل خاصة كذلك في المسرحية الثالثة التي نقل فيها الكاتب الأحداث إلى زمن معاصر: العام 1940 إبان إحتلال القوات النازية فرنسا ورضوخ قطاعات عريضة من الشعب الفرنسي، بما في ذلك الزعامات السياسية لجبروت المحتل وسلطته. والحقيقة أن مسرحية «رؤى سيمون ماشار» تعتبر دائماً الأشهر بين المسرحيات الثلاث. فهنا ليست البطولة لجان دارك، بل لفتاة من زمننا ساءها وصول المحتلين والهزيمة التي أُلحقت بجيش وطني فرنسي كان أخوها جنديا فيه، كما ساءها إستسلام رجال الدين والسياسة والأعمال أمام المحتل في منطقتها. فقررت أن تقاوم ولو وحدها، إنطلاقاً من رؤى غريبة تتمازج فيها جان دارك مع ملاك هابط من السماء، لتلقينها دروس المقاومة. أما الدرس الذي يخصها هي شخصياً فبسيط: بما أنها تعمل في محطة بنزين، وأن من المستحيل عليها مع إقتراب قوات الإحتلال النازية، أن تقبل بحصول النازيين على الوقود من محطتها، سيكون عليها هي، كمقاومة فردية وفعل بطولة شعبي عادي، أن تحرق ما في المحطة من وقود لكيلا يستفيد منه المحتلون... في وقت يركع فيه المطران والعمدة ورجال البوليس وكبار المنطقة صاغرين.

> هذا هو بكل بساطة الموضوع الذي أراد بريخت أن يعالجه في هذه المسرحية التي تعاون على كتابتها مع مواطنه ليون فوختفنغلر صاحب القصة القصيرة التي اقتُبس منها العمل. ولعل اللافت هنا أن بريخت، بالنظر إلى الحاحية الموضوع والظروف السياسية آثر أن يبتعد في هذه المسرحية التي كتبها العام 1942 في منفاه في لوس أنجليس، عن أسلوبه الملحمي الذي يعطي البطولة للمجتمع لا للأفراد، كما ترك مكانة واسعة لعنصر ميتافيزيقي غير معهود لديه (ظهور الملاك وتحريضه سيمون ماشار على الفعل المقاوم) بحيث أن «رؤى سيمون ماشار» أتت مختلفة عن معظم النصوص المسرحية. واللافت في الأمر هو أن بريخت لم يجد أي ضرورة تحدو به إلى تفسير ذلك الإبتعاد- الذي سيتبين أنه مؤقت على أي حال- عن أساليبه المسرحية ليغوص في مسرح شعبي بسيط- بل ربما وجده البعض تبسيطياً من نوع الأعمال التي تمليها الضرورة النضالية عادة-، فهل علينا الإشارة إلى أن «رؤى سيمون ماشار» ستكون خلال عقدين تاليين من الزمن، من أكثر مسرحيات بريخت شعبية، إلى جانب «الأم» و «بنادق الأم كارار»... وكلها مسرحيات مقاومة ابتعدت عن «تعقيدات» المسرح الملحمي وهموم المثقفين النخبويين؟

> مهما يكن، إذا كانت هناك حياة وعمل يصعب اختصارهما في سطور قليلة مثل هذه السطور، فإنهما حياة برتولت بريخت وعمله الكتابي الذي كان استثنائياً في قوته التعبيرية ومكانته وجماله الشكلي، والدور الذي لعبه في تاريخ المسرح العالمي في القرن العشرين. وليس ثمة بالطبع أي مبالغة في القول إن بريخت يمثل ثالث نقطة انعطافية في تاريخ المسرح، مقابل اسخيلوس الذي يمثل النقطة الأولى، وشكسبير الذي يمثل النقطة الثانية.

> من الممكن أن تكون السنوات الماضية قد حاولت أن ترمي بريخت وفنه في مهب النسيان، غير أن عودة مسرحه إلى الحياة في زمننا هذا، والعودة إلى اكتشاف ما كان مخبوءاً في ثنايا مسرحياته، أمران يقولان لنا إن مكانة بريخت لا يمكن أن تنضب، وأن المسرح العالمي سوف يظل يعيش في ظل مسرحه، تماما كما عاش - ولا يزال - في ظل مسرح شكسبير. ومع هذا حين مات بريخت عن ثمانية وخمسين عاماً، في العام 1956، لم تكن له تلك الأهمية التي أُسبغت على اسمه وعمله بعد ذلك بسنوات، وربما عاد السبب إلى كونه ارتبط، فكرياً وسياسياً، بصورة جعلته يبدو ستالينياً، في زمن كان فيه بعض شعوب أوروبا الشرقية قد بدأ ينتفض ضد الستالينية. بيد أن تلك الصورة كانت مخطئة. وخطؤها لن يظهر من خلال تحري مواقف بريخت السياسية أو علاقته بالأحزاب الشيوعية، أو من خلال رد فعل منظّري تلك الأحزاب على عمله، بل من خلال قراءة متأنية وواعية لمسرحيات بريخت نفسها، ومنها هذه المسرحية الشعبية بكل معنى الكلمة.

> فهل سيكون من قبيل المكابرة أن نقول إن الوقت قد حان للنظر إلى مسرح بريخت على أنه يقف موقفاً مناقضاً تماماً، في جوهره كما في بنيته، لكل ما تمثله الستالينية من فكر وممارسة؟ إنه أمر يقترحه علينا الكثيرون من الذين بحثوا في تراث بريخت وقرأوه على ضوء الظروف التي كتب فيها، ومنهم، بالطبع، فردريك أوين، الذي قدم لنا ما يمكن اعتباره أفضل دخول إلى عالم بريخت في كتاب شهير له، نقله كاتب هذه الصدور إلى العربية قبل سنوات.

> في كتابه ذاك يروي أوين حياة بريخت، فيقول لنا - ما يعرفه الكثيرون على أي حال - إن بريخت ولد في العام 1898 في أوغسبورغ، على رغم أن أصوله العائلية تعود إلى منطقة الغابة السوداء، وأنه اكتشف الشيوعية في العام 1926 حيث وجدها تتلاءم مع همّه في تثوير المسرح. وخلال تلك الآونة كتب بريخت العديد من مسرحياته الكبرى، مثل «أوبرا القروش الثلاثة» و «طبول في الليل» و «رجل برجل» وغيرها، وكتب الكثير من الشعر ووضع العديد من النظريات المسرحية، وابتكر ما أطلق عليه اسم المسرح الملحمي، وحاول أن يخلّص المسرح من تقاليده الأرسطية.

> غير أن بدايات بريخت الحقيقية والأكثر أهمية تعود إلى تصادمه مع النازية ومع الفكر الشمولي إثر حريق الرايخشتاغ، حيث نراه يختار درب المنفى، ويكرس معظم مسرحياته لمقارعة الدكتاتورية. وهو لئن أبدى الكثير من الشكوك حول الستالينية (لا سيما لمناسبة إعدام ستالين للكاتب ترتياكوف عند نهاية سنوات الثلاثين)، فإنه رأى أن الوقت يضطره لأن يلتفت لمقارعة النازية وصعود هتلر، فكتب في ذلك الإتجاه، أكثر مسرحياته قوة ووضوحاً. ولكنه في الوقت نفسه ضمّن معظم مسرحياته تلك الأسئلة القلقة والحائرة التي تقف موقف الضد من يقينية الستالينيين المريحة. والحال أن قراءة متأنية لمسرحية «غاليليو» أو «دائرة الطباشير القوقازية» أو، خاصة، «الأم كوراج» و «رؤى سيمون ماشار» تضعنا مباشرة أمام كاتب يشك في كل ما كان قد آمن به من قبل.

> مهما يكن، فإن برتولت بريخت، الذي يظل يبدو لنا شديد المعاصرة، وتظل أعماله تبدو لنا حافلة بالأسئلة والشكوك المدهشة، لم يكتف أن يجعل من مسرحه مسرحاً أيديولوجياً سياسياً بل كان يرى أن المتعة يجب أن تشكل جزءاً أساسياً من اللعبة المسرحية. وهو لئن كان أصر دائماً على أن يورّط جمهوره في أفكاره المسرحية، فإنه حرص على أن يكون التوريط عن طريق إعمال العقل، لا عن طريق العاطفة. وبهذا المعنى كان بريخت سقراطياً حقيقياً يعمل على انتزاع الأجوبة والمواقف المطلوبة، من جمهوره انتزاعاً، لا على فرضها عليه.

> رحل بريخت في 1956، لكن حضوره ظل - ولا يزال - قوياً، من خلال أعماله التي تقدم في مئات العروض سنوياً، ومن خلال السمعة الجيدة التي تمتعت بها فرقته «برلينر انسامبل» التي أسسها في ألمانيا الشرقية التي عاد إليها بعد منفاه الأميركي الطويل، ولكن خاصة من خلال التأثير الذي مارسه على كبار كتاب المسرح في العالم من ماكس فريش إلى ثورنتون وايلدر ومن دورنمات إلى تنيسي ويليامز وجون اوزبورن وستيفن سبندر وآرثر آداموف وبيتر فايس، وصولاً إلى كاتبينا العربيين ألفريد فرج وسعدالله ونوس.