صراع الأقوياء والمستقبل المجهول

عبد العزيز التويجري |

الأحداث الصاخبة في الساحتين الإقليمية والدولية، تدل على تحولات جذرية في العلاقات الدولية، تؤسس نظاماً عالمياً جديداً ثنائيَّ القطبية، تتنافس فيه قوتان عظميان على مناطق النفوذ وعلى المصالح الاقتصادية والإستراتيجية. ويتم الاتفاق بينهما أحياناً على تسوية بعض القضايا ومعالجتها خارج مجلس الأمن الدولي، لأنهما يتصرفان من مصدر الإحساس المفرط بالقوة التي يحسبان أنها فوق القانون الدولي. وهو الأمر الذي يفتح المجال واسعاً للشطط في اتخاذ القرارات، وللاندفاع في معالجة القضايا، في انتهاك خطير لميثاق الأمم المتحدة، وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لأن الابتعاد عن المنتظم الدولي مع تَجَاوُز القوانين الدولية، والاعتداد المفرط بالقوة، هو المسلك المنحرف الذي يؤدي إلى الفوضى الهدامة.


ولقد بات واضحاً أن اللاعبَيْن الكبيرين على مسرح السياسة الدولية، يتعاملان مع الأزمات الناشبة في مناطق شتى، وكأنهما المتصرفان في شؤون هذا العالم والحاميان للأمن والسلم، بينما الواقع المرير الذي تعيشه الإنسانية خلال هذه المرحلة، يؤكد أنهما يفعلان عكس ذلك، لأنهما يتجهان في مسارات غير مأمونة، ويعتمدان سياسات متغطرسة. وبذلك يكون العالم يسير في الاتجاه الخاطئ المحفوف بالمخاطر.

إنّ حكمة التاريخ تفيد أن القوة لا تصنع السلام، وأن السياسات الإنسانية العادلة والمتوازنة والسوّية هي التي تبني القواعد للسلام، وأن الحضارة لا تنشأ من القوة الباطشة المنفلتة العيار، وإنما تنبع من الأفكار المبدعة للتقدم، البانية للإنسان، الصانعة للتمدن، والحريصة على حماية المجتمعات البشرية الساعية الى تحقيق الأهداف الإنسانية النبيلة.

إن الغطرسة تُورد صاحبَها التهلكة، وأن العدوان على حقوق الشعوب، أو دعم هذا العدوان وتزكيته، أو تجاهله أو غض البصر عنه، يؤدي إلى الكوارث التي لا تنتهي عند حد، فتاريخ البشرية لا يكتبه الجبابرة والطغاة المنتشون بالقوة الغاشمة، المخدّرون بالقدرة على تحقيق مطامحهم ونيل مطامعهم، مهما تكن طبيعتها، وإنما يكتبه بصدقٍ صناعُ السلام وبُناة الحضارة والمؤمنون بحقوق الشعوب في أن تعيش في أجواء الحرية والكرامة والمساواة.

ولذلك فإن ما يجري اليوم على الساحة الدولية من صراعات يصنعها القطبان المتنافسان، لا يخدم السلام العالمي، لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هو لعب بالنار غير مأمون العواقب، واستعراض للعضلات واغترار أخرق بها، واعتداد زائد القوة، وتحايل معيب على القانون الدولي. وهذا هو مصدر الخطر الذي يهدّد العالم خلال هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها.

إن الذين يتلاعبون بمصائر الشعوب، إنما يعتدون على حقوقها وينتهكون سيادتها، ويشيعون الفوضى الهدامة، وينطلقون من فهم خاطئ للحق في ممارسة القوة، للوصول إلى تأمين المصالح الحيوية التي يقصدون إليها، ويهندسون لعالم يكونون فيه هم السادة الذين يهيمنون على الجميع. وليس هذا من السياسة في شيء، لا حسب المفهوم العلمي للسياسة، ولا وفق المدلول الأخلاقي والمعنى الإنساني لها، إنْ هي إلاّ تدمير للحضارة، وإفساد في الأرض، ومخاطرة بالمصير الإنساني، والدفع الجنوني بالمجتمع الدولي نحو المجهول

وفي عالم يتَرَاجَعَ فيه مجلسُ الأمن الدولي عن القيام بالمهام الموكلة إليه، وتنتهك فيه القوانين الدولية، وتُحرم فيه بعضُ الشعوب من حقوقها، ويتمادى فيه المعتدون على هذه الحقوق في ممارسة أشنع ضروب البطش والقتل والتدمير، أمام مرأى ومسمع من المجتمع الدولي برمته، لا تُؤمَنُ مخاطرُ استمرار الحال على هذا المنوال.

إن طول التأمل في الأوضاع الدولية خلال المرحلة الحالية، يعزّز الاقتناعَ بأن الحضارة الإنسانية باتت في وضع شديد الخطورة، وبأن ما يجري من أحداث عاصفة، ودعاوى عريضة بعضُها خادع، إنْ هو إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، وإلهاءٌ لشعوب العالم عن الاهتمام بما يدبّر لها في الخفاء، لا ينطلي على من يفكر بعقل يقظ، ويتعامل مع المستجدات الجارية بوعي رشيد، وبرؤية ثاقبة إلى حقيقة الأمر، وبقراءة ما بين السطور. ويقع عالمنا الإسلامي وسط هذه الصراعات، بل هو الهدف الأول لها والمتضرر الأكبر منها، يبحث بقلق عن مصالحه، ويحمي ذاته، ويتطلع إلى الغد ليواجهه المستقبل المجهول.

فإلى متى يظل صراع الأقوياء يحتدّ ويحتدم ويَتَفَاقَمُ، بينما شعوب العالم تتحمّل أعباء هذا الصراع المحموم، وسط الضباب الكثيف الذي يحجب الرؤية الواضحة إلى المستقبل؟.

* أكاديمي سعودي

الأكثر قراءة في الرأي