عن اللاعب الكردي في بغداد

شيرزاد اليزيدي |

يستعيد اللاعب الكردي لياقته وتأثيره الوازن في معادلات العراق الداخلية باستطالاتها الإقليمية والدولية، بعدما كان قد تراجع دوره عموماً لا سيما مع غياب الرئيس الراحل مام جلال طالباني عن المشهد، والذي كان ضابط إيقاع ذاك الدور. لكن مع الاستفتاء قبل نحو عام، هبطت أسهم الكرد بما لا يقاس وباتوا في وضع عصيب، بفعل السياسات الأحادية للحزب الديموقراطي الكردستاني ولشخص رئيسه السيد مسعود بارزاني، إلى درجة أن الكيان الفيديرالي والتجربة الديموقراطية الكرديين في العراق باتا على المحك يواجهان خطر التقويض.


مع انتخابات ١٢ أيار (مايو) الماضي العامة في العراق برز الانقسام الكبير في البيت الشيعي على أشده وانعكس تعدداً في الكتل الكبيرة والمتقاربة الأحجام، كـ «سائرون» و «الفتح» و «النصر» و «دولة القانون». فنحن والحال هذه حيال تشرذم واسع كي لا نقول إنّه تشظٍ سياسي شيعي مبرم لا تخطئه عين، ما شكّل مناسبة للاعب الكردي للمناورة والمفاضلة وممارسة دور بيضة القبان، وهو ما لطالما ميزه في مختلف محطات الصيرورة الديموقراطية في بلاد الرافدين بعد سقوط النظام البعثي.

ولعل الموقف الكردي الموحد عبر الوفد المشترك للحزبين الرئيسين، الاتحاد الوطني والديموقراطي الكردستانيين، للتفاوض مع مختلف الكتل في بغداد وتوالي زيارات الكتل الكبيرة العربية سنيّها وشيعيّها لكردستان، يشكل إشارة قوية إلى عودة الروح للدور الكردي المحوري، ما يسهم في إعادة تصويب العملية السياسية برمتها ووضعها على سكتها الصحيحة. فليس سراً أن العراق هو في وضعية مكانك راوح منذ سقوط نظام صدام، إذ لا تحولات بنيوية كبرى للقطع مع الماضي الاستبدادي ولترسيخ الوعي والممارسة الديموقراطيين التوافقيين في شكل ناجز ومؤسساتي.

الكرد بوقوفهم في الوسط ازاء الكتلتين الشيعيتين الكبريين «سائرون» وخلفها «النصر» و «الفتح» وخلفها «دولة القانون»، أو ازاء الكتل السنية والمختلطة كما كتلة «الوطنية»، يمكنهم مجدداً تبوء صدارة العمل الديموقراطي كحالهم إبان زمن المعارضة العراقية لنظام صدام البائد ومع بدايات التأسيس لعراق ما بعد البعث وحتى غياب طالباني عن المشهد بفعل المرض. فلا يخفى بالتالي أن الكرد ساهموا بكل ثقلهم في وضع مداميك العراق الجديد وسن دستوره وتشييد نظامه الديموقراطي الفيديرالي، وهي فرصة كي يعودوا إلى ممارسة دورهم بما يخدم مصلحة العراقيين ككل بمختلف شعوبهم وانتماءاتهم. فالعراق بعد كل حساب يبقى البلد الوحيد من بين الدول المقتسمة لكردستان الذي اعتمد مقاربة حل ديموقراطي دستوري للقضية الكردية، ومن الأهمية الوجودية المحافظة على هذا المنجز وتطويره بما يخدم الطرفين العربي والكردي في العراق والمنطقة ككل.

ولا شك أن الكتلة التي تتبنى الورقة الكردية المقدمة من قبل الحزبين الرئيسين، أو أقله تكون الأقرب منها، تبقى هي الأكثر تأهيلاً وجدارة لبناء حكومة توافقية ديموقراطية تعمل على حل المشكلات الكبرى العاصفة بالبلد، خاصة لجهة فقدان الثقة بين مكوناته. فالمقاربات الدستورية والحقوقية للقضية الكردية وآليات معالجتها والتعاطي معها وفق تلك الميكانزمات هي تعريفاً أس وأساس المعمار الديموقراطي العراقي وتحصينه ضد التصدع والانهيار.

* كاتب كردي سوري