جديد من فلسطين وسورية لكن الجودة مؤجلة

البندقية (إيطاليا) - أمل الجمل |

منذ البداية، يمكن القول أن الفيلمين، الفلسطيني «مفك» لبسام جرباوي والسوري «يوم فقدت ظلي» لسؤدد كعدان، الأفضل - من زاوية التصوير السينمائى المهتم بالتشكيل الإبداعي للكوادر، والإضاءة، ومحاولة خلق إيقاع سينمائي ولغة تنمتي إلى الفن السابع - بين الأفلام العربية السبعة المعروضة في مهرجان فنيسيا في دورته الخامسة والسبعين الممتدة من 29 آب (أغسطس) وحتى 8 أيلول (سبتمبر) الجاري... وإن كان فيلم «تل أبيب على نار» للفلسطيني سامح زعبي يتفوق عليهما في القدرة على رسم المواقف الطريفة الساخرة والجالبة للضحك، ولكن بمقدار أقل من اللغة السينمائية.


عند الحدود

تدور أحداث «يوم فقدت ظلي» - المعروض بمسابقة «آفاق» بفنيسيا، والذي تم تصويره على الحدود السوريّة - اللبنانيّة واستعانت مخرجته بممثلين من اللاجئين - خلال يومين، حيث تخرج الأم الشابة سنا، وهي صيدلانية يعمل زوجها في السعودية، للبحث عن أنبوبة غاز لتطهو لصغيرها الذي نراه مفعماً بالحيوية والإحساس بالمسؤولية. وأثناء ذلك - وهي بصحبة اثنين آخرين - نرى استيلاء أفراد من الجيش على الأنابيب، ومطاردات لسائق تاكسي خوفاً من الإمساك بالكاميرا عليها مواد مصورة للحرب يقوم بتهريبها، ورحلة توهان في منطقة محصورة بين القوات المتقاتلة، ومحاولة الاختفاء من القناصة، ورجلاً يؤجر لهم سيارة فارغة من البنزين بعد أن يستولي عل قطع الحلي منها ومن الفتاة الشابة الأخرى، وأحاديث عن تدهور الأخلاق وانتشار الغش في ظل الحرب، عن نقص الأدوية، والطعام، وحوادث القبض والاعتقال والاختفاء لكثر، ثم أخيراً مشهد حفر القبور بجوار أحد المنازل استعداداً لدفن الشهداء من الثوار، أو محاولة تضميد جراح المصابين...

«يوم فقدت ظلي» عنوان يحمل مقداراً من الرومانطيقية، وربما الرمزية أيضاً، فالإنسان يفقد ظله عندما يموت، المعني بدلالته المباشرة قائم، لكنه أيضاً يشي بالتعبير عن رجال الحرب الذين يقتلون الناس بوحشية تشي بأنهم فقدوا إنسانيتهم، وماتوا وهم في قيد الحياة، مثلما يُعبر عن خوف البطلة من أن تفقد ظلها بمعنى ألا تُصبح كما كانت من قبل.

منذ أول لقطة في الفيلم، وعلى مدار مشاهد كثيرة، نرى المخرجة مهتمة بفكرة الظل، وتجسيدها بصرياً، وتوظيفها بديلاً لتصوير الشخصيات نفسها، أحياناً، إذ تكتفي بتتبع ظلالهم، واللهاث وراءهم، فهي تبدأ من ظلال البشر على الأرض، يجرون، أو يهربون، وهذا ساعدها كثيراً في التصوير لتمنح الإحساس بعزلة المكان، وإخفاء هويته أيضاً.

يتميز الفيلم - وهو تجربة روائية طويلة أولى لمخرجته - بتصوير لقطات شاعرية للطبيعة، لأطراف المحصول والشجر تطوحه الريح، المتقاطع مع خط السماء، كأننا نراه بعيني البطلة. لقطات جميلة تشكل نقيضاً لحالة سنا ووضعها، كأن الطبيعة لا تبالي، وعلى رغم أن المخرجة التي كتبت السيناريو بنفسها، اهتمت بغرس كثير من التفاصيل والمواقف للوصول إلى الصدقية إلا أن المشكلة تكمن في رسم الشخصيات خصوصاً سنا التي بدا رد فعلها أحياناً مبالغاً فيه، خصوصاً في ظل عدم قدرتها على ضبط الزمن النفسي لحالة الشخصية الدرامية فبدت غير مقنعة في صمتها، ودهشتها، وخوفها أو نوبات ذعرها غير التلقائية.

طموح ناقص

الطموح السينمائي ذاته يكاد يتكرر وإن في شكل مغاير في شريط «مفك» - المعروض في قسم «أيام فنيسيا» - إذ يبدأ من لحظة فتح باب سيارة الجيش الإسرائيلي - عام 2017 - والإضاءة تُسلط على وجه تُخفيه قبضتان تلفهما الكلبشات، وبعد أن نرى وجه زياد الثلاثيني الغاضب يعود بنا المخرج فلاش باك إلى عام 1992، حيث طفولته وبعض من ملامح عائلته، فوالده اعتقل أيضاً على أيدي جيش الاحتلال، ما يُفسر خوف الأم عليه، ثم نراه مغرماً بكرة القدم، ثم نقلة زمنية أخرى تقفز إلى عام 2002، حيث نراه نجماً تهتف له الجماهير. وفي إحدى أمسيات السهر مع أصدقائه المقربين، يُقتل أحدهم بيد قناص إسرائيلي. فيسعى رفيق آخر منهم إلى الانتقام والتصويب على رجل تعطلت سيارته ليلاً. تطاردهم الشرطة الإسرائيلية وتقبض على زياد الذي يرفض الإفصاح عن أسماء صديقيه ويبقى في السجون 15 سنة. ليخرج في مواجهة جديدة أشد قسوة لمجتمع تبدل وتغير وأصبح مناضلوه الحقيقيون غير قادرين على التكيّف معه.

أهم النقاط الدرامية في الفيلم تتعلق، ليس فقط، باكتشاف أن الرجل الذي تم التصويب عليه عربي، ولكن أيضاً أن قوات الاحتلال أوهمت زياد بأن الرجل مات، فعاش تلك السنوات، والتي منعت فيها الزيارة عنه، في عقدة الذنب، إلى جانب إساءة المعاملة في السجن التي لم نر منها ما يكفي. ثم صدمته في المجتمع وعدم قدرته على التصالح مع متغيراته، في مشاهد تشي بالأنانية والدوافع الشخصية لدى كثيرين - ليكتشف أنه ضيع مستقبله من دون فائدة، وانتهى به المطاف عامل بناء.

في الفيلم نقاش يبدو تلقائياً حول صورة المناضل التي يتم تصديرها للناس وتأنيب الضمير وعقدة الذنب لدى بعض الفلسطينيين ممن هربوا للحياة في الخارج، ومحاولتهم التصالح مع الذات. كذلك اهتمام المخرج ومحاولاته لتجسيد الحالة النفسية - بإيقاع وتصوير سينمائي - لزياد بعد خروجه من السجن، سواء مع الأطباء، أو مع الموظفين، أو البنك، أو مع عمال البناء، ومحاولته استعادة الأماكن والذكريات، ثم أثناء مروره بالسوق في واحد من أقوى المشاهد. لكن يعيب السيناريو رسم بعض التفاصيل المستعارة من أفلام أجنبية؛ على سبيل المثل، لقطة إطفاء النور وإضاءته مرات عدة كما في - Cast away - وكان يمكن التغاضي عن الاستعارة لو تم التمهيد للحالة النفسية لزياد في تلك اللقطة وجعلها مقنعة، فربما كنا سننسى أنها مقتبسة من عمل أجنبي.

كان مجرد ظهور الممثلة الفلسطينية عرين عمري على الشاشة يُعيد للمشاهد حيويتها ونبض الحياة بها والصدق نتيجة التلقائية في أدائها، أما أضعف حلقة في الفيلم ففي أداء الممثل والمخرج زياد بكري الذي قام بدور البطولة، والحقيقة أن هذه التركيبة من الشخصيات الدرامية كانت تحتاج إلى ممثل ذي قدرات أفضل، خصوصاً أن الدور أغلبه صامت ويعتمد على تعبيرات الوجه، واستنطاق حالة نفسية بأقل القليل من ردود الفعل.

مادة جيدة لفيلم آخر

قد يبدو للوهلة الأولى أن عنوان الفيلم الوثائقي «لسه عم تسجل» - لسعيد البطل وأيوب غياث، والذي عرض ضمن «أسبوع النقاد» في مهرجان فنيسيا - يشي باستمرار الحرب والثورة في سورية، لكن يتضح بعد مشاهدته أن العنوان مستمد من آخر لقطة عندما يقوم القناصة بالتصويب على مجموعة من الجيش الحر يرافقها المخرجان فيصاب أحدهما ويسقط أرضاً، وتسقط الكاميرا - لا نعرف عمداً أم سهواً - بحيث تصور لنا جزءاً من ظهر الرجل المصاب وهو يتألم بينما نسمع من خارج الكادر صوت رفاقه وهم يحتمون بالجدار غير قادرين على إنقاذه، والذي يتم التصويب عليه مرة آخرى، وعندما يتم التقاط الكاميرا نسمع أحدهم يقول «لسه عم تسجل».

في الفيلم، لقطات عدة كان يمكن الاشتغال عليها وتطويرها، مثل السهر والرقص، والشرب والتدخين بين بعض المقاتلين، ومشهد الجثث التي أصبحت رائحتها تزكم الأنوف إلى درجة أن من يشرح الوضح يكاد يختنق ويتقيأ. أو تلك اللقطة لصناعة الخبز من علف المواشي والناس بجوار المخبز يبتلعونه في نهم. ثم التعنيف الغاضب بين اثنين من رجال الجيش الحر بسبب أخذ شاشة تلفاز كبيرة من أحد المنازل المهدمة لأنهم ليسوا لصوصاً، وهي فكرة كان يمكن ضمها إلى مشهد آخر عن الصورة النمطية التي تم رسمها لأفراد الجيش الحر، لكن صانعي الفيلم مرا عليه بتصوير بدا عشوائياً. إنها واحدة من نقاط الضعف الكثيرة في الفيلم. أما أفضل المشاهد فتلك المحاورة التي تدور عبر جهاز اللاسلكي بين شاب من الجيش الحر وبين جندي من النظام. في النهاية نحن هنا أمام مشاهد يُمكن العمل عليها مجدداً لصناعة فيلم سينمائي آخر، أما الشريط الحالي فمترهل الإيقاع، بل ممل، إذ لا يقول شيئاً جديداً، ولا يقدم إضافة، فجميع ما طرحه - على قلته - تم تناوله من قبل وكان في الإمكان التغاضي عن ذلك لو نجح الفيلم في تعميق الأشياء، والغوص في دواخل الشخصيات، لكن صانعي الفيلم لم ينجحا في كسر الحاجز النفسي بينهما وبين الكاميرا بل بدت رهبتهما منها طاغية، ما جعل الشخصيات تبدو مفتعلة رغم أنها حقيقية تعيش مأساة مروعة، فمثلاً نرى أحدهما يجلس أمام الكاميرا عارياً إلا من سلسلة تتدلى من رقبته وهو يحكي عن الموت والخوف، ومشاهدة الأموات وما حدث من مقتل 1500 طفل قائلاً: «هذه مشاعر كتير صعبة، وصعب إن الواحد يتحملها». لكننا لا نصدق كلماته، إذ يبدو منشغلاً بصورته في الكاميرا، والابتسامة على وجهه لا تشي بأي انفعال صادق.