«مهرجان الفيلم العربي - عمّان»: حب وحرب وأحلام ضائعة

فيكي حبيب |

تبدو تسمية «مهرجان» فضفاضة بعض الشيء على «مهرجان الفيلم العربي - عمان»، الذي افتتح دورته الثامنة الثلثاء الماضي، على أن يختتمها الثلثاء المقبل برعاية وزيرة الثقافة بسمة النسور، وتنظيم «الهيئة الملكية الأردنية للأفلام». وليست هذه الإشارة من باب الانتقاص من جهود القائمين على الهيئة، المشهود لهم عملهم الدؤوب في خدمة الفن السينمائي في الأردن، من خلال الالتزام بأهداف واضحة لناحية «تشجيع الأردنيين على سرد قصصهم، بالتالي المساهمة في التبادل الثقافي وتعزيز حرية التعبير وخلق برامج تعليمية للأردنيين العاملين أو الراغبين في العمل في مجال صناعة الأفلام، فضلاً عن ترويج وتعزيز ثقافة الأفلام، وبالتالي المساهمة في تثقيف ورعاية الفكر الناقد وتنميته. هذا كله من دون أن ننسى الإشارة الى موقع الأردن كمركز للإنتاج المرئي والمسموع العالمي، و»ذلك من خلال توفير الهيئة مواقع رائعة وموارد إبداعية، إضافة إلى المساعدات التقنية والحوافز المالية».


وليست تلك الأهداف المكتوبة في موقع الهيئة الإلكتروني مجرد حبر على ورق، بل لا مبالغة في اعتبار «الهيئة الملكية الأردنية للأفلام»، إحدى أنشط الهيئات في مجالها في العالم العربي، إن لم تكن الأنشط على الإطلاق، بحيث تعج روزنامتها على مدار أيام السنة بالنشاطات المتنوعة من ورش عمل وتدريب وعروض سينمائية...الخ. بالتالي، لن يكون منصفاً لكل تلك الجهود، الغمز من «مهرجان» هو أقرب الى أيام سينمائية لاكتفائه بعرض 8 أفلام فقط من بعض أبرز نتاجات السينما العربية في السنتين الأخيرتين، بمعدل فيلم واحد في اليوم.

أفلام المهرجانات

من هنا، إذا وضعنا التسمية جانباً، فإن أكثر ما يلفت النظر في اختيار الأفلام هو حرص القائمين على البرنامج على أن تكون الشرائط السينمائية المشاركة قد سبقها صيتها الى الأردن، بعدما شاركت في مهرجانات عالمية، لجعلها دفعة واحدة في متناول الجمهور.

من هنا، يطل في الافتتاح فيلم التونسية كوثر بن هنية، «على كف عفريت» الذي شارك في قسم «نظرة ما» في الدورة 70 لمهرجان كان السينمائي وفاز بجائزة أفضل صوت. كما حاز جائزة أفضل ممثلة في مهرجان ديربان السينمائي وجائزتي أفضل كاتب سيناريو وأفضل مخرج للتصوير الفوتوغرافي في مهرجان مالمو للسينما العربية وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان بروكسل لسينما البحر المتوسط وجائزة الاتحاد العام للشغل في تونس في أيام قرطاج السينمائية.

وكعادتها، تختار كوثر بن هنية في هذا العمل حبكة نسوية من خلال حكاية «مريم» التي تقاتل من أجل كرامتها بعد أن يعتدي عليها رجال من الشرطة، ليبرز السؤال الملحّ: كيف يمكن العدالة أن تأخذ مجراها والجلاد هو نفسه المنقذ؟ ولعل هذا السؤال بما فيه من إسقاط على الواقع، يحدد خيارات المخرجة السينمائية التي تحمل في طياتها أبعاداً تشي بالكثير حول تونس اليوم.

ومن أرض الواقع أيضاً، أطلّ الفيلم السوري «طعم الإسمنت» (زياد كلثوم) في ثاني أيام المهرجان، ليصوّر يوميات عمال سوريين يبنون ناطحات سحاب في بيروت بينما تُقصف منازلهم في وطنهم.

الفيلم فاز بالعديد من الجوائز منها: أفضل فيلم طويل في المسابقة الدولية في مهرجان Visions du Reel (سويسرا)، وتنويه خاص في مهرجان فاليتا السينمائي، والجائزة الكبرى لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان الأفلام المتوسطية، وجائزة المخرج السينمائي الدولي الصاعد في مهرجان الأفلام المفتوحة في لندن، وجائزة هاريل لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان كامدن السينمائي الدولي، ونحو دزينة من الجوائز الأخرى في مهرجانات متتابعة، وصولاً الى جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان دبي، بين جوائز أخرى.

وفي ثالث أيام المهرجان، كان الجمهور الأردني على موعد مع «كتابة على الثلج» للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، الذي يرصد فيه خمسة فلسطينيين محاصرين في شقة صغيرة خلال العدوان على قطاع غزة. وفيه يقول المخرج المهموم بهاجس القضية الفلسطينية في كل أفلامه، أن الانقسامات السياسية والاجتماعية والتعصب الديني وعدم تقبّل الآخر... عوامل تُضعف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. ونال هذا الفيلم جائزة الخنجر البرونزي لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة «أصوات من العالم» في مهرجان مسقط السينمائي الدولي، كما افتتح مهرجان قرطاج السينمائي الدولي وشارك في مهرجان فجر السينمائي الدولي ومهرجان شيكاغو للفيلم الفلسطيني.

للقبلة تاريخها أيضاً

وينتظر الجمهور الأردني هذا المساء، عرض الفيلم المصري «بلاش تبوسني» الذي يرصد فيه المخرج أحمد عامر تاريخ القبل في السينما المصرية من خلال قصة «فجر»، نجمة الإغراء الشهيرة التي ترفض مشهد «القبلة» في أحد الأفلام، ما يضع الفيلم في مأزق.

ومن الجزائر، يعرض المهرجان غداً فيلم ياسمين الشويخ «الى آخر الزمان» الذي تدور قصته في مقبرة تتحول الى مسرح لقصة حب أفلاطونية تجلب الحياة الى مكان يحيط به الموت، بطلاها، «عليّ»، حفّار القبور ذي السبعين عاماً، و»جوهر» الستينية المترددة في الانجراف نحو مشاعر جديدة في هذه السنّ. ونال هذا الفيلم جائزة أفضل فيلم وأفضل ممثلة في مهرجان عنابة للسينما المتوسطية وأفضل فيلم وأفضل ممثل رئيسي وجوائز النقاد في مهرجان مسقط السينمائي الدولي وأفضل مخرج وأفضل سيناريو في مهرجان وجدة» للأفلام، وأفضل فيلم في مهرجان وهران للفيلم العربي.

ومن لبنان، يطل فيلم «غداء العيد» للمخرج لوسيان بورجيلي، الذي يصوّر فيه جلسة عائلية لمناسبة العيد، سرعان ما تكشف تشنجات وتوترات تعري الآخر وتضعنا أمام أسئلة لا إجابات واضحة عليها. وحاز هذا الفيلم جائزة المهر الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان دبي السينمائي الدولي وجائزة الرؤية العالمية في مهرجان Cinequest San Jose السينمائي وجائزة أفضل فريق تمثيل وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان السينما العربية في باريس. وقد تم ترشيحه لجائزة أفضل سيناريو في مهرجان ميامي للأفلام.

ومثلما حملت كاميرا أنثوية الفيلمين المشاركين في المهرجان من تونس والجزائر، كذا الأمر بالنسبة الى الفيلم المغربي «نور في الظلام»، إذ يحمل توقيع المخرجة خولة بن عمر التي تصوّر قصة حبّ بين رجل كفيف يحلم بأن يصبح مقدماً تلفزيونياً لنشرة الأخبار، وطالبة تدرس في معهد السينما. والفيلم حصد جائزة الفيلم الأول في مهرجان طنجة الوطني للأفلام ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط. كما عُرض في مهرجان ديربان السينمائي الدولي ومهرجان هلسنكي للسينما الأفريقية ومهرجان جنيف للأفلام الشرقية ومهرجان الفيلم العربي في باريس.

رحلة لينا ومريم

أما الختام، فسيكون بفيلم «مسافر: حلب – إسطنبول» للمخرج أنداش هازيندار أوغلو، والذي كما يشير كاتالوغ المهرجان، «يتتبع رحلة «لينا» و»مريم» خلال هروبهما من الحرب في سورية. «لينا»، البالغة عشر سنوات، فقدت عائلتها نتيجة الحرب، تجد نفسها مجبرة على شقّ طريقها الى تركيا مع شقيقتها الرضيعة وجارتها «مريم»، برفقة لاجئين سوريين آخرين. وبينما تريد «لينا» العودة إلى ديارها، يكمن أمل «مريم» بالوصول إلى أوروبا. وحين تصلان الى إسطنبول، تمنحنا جهودهما بالنجاة الأمل بتلك المدينة الكبيرة، بكل قسوتها وبرودها».

فاز الفيلم بجائزة الجمهور في مهرجان أنطاليا السينمائي وجائزة أفضل فيلم روائي وأفضل ممثلة للنجمة الأردنية صبا مبارك في مهرجان طريق الحرير السينمائي في إرلندا وأفضل فيلم روائي طويل وأفضل مونتاج في مهرجان البوسفور السينمائي.

إذاً، أصوات عربية، مشرقية ومغربية، يحتفي بها مهرجان عمان على امتداد ثماني ليالٍ ليقول الكثير في الحب والحرب، وليؤكد مرة جديدة أن السينما العربية ابنة الواقع.