الكوميديا الخفيفة حين تلامس الفجاجة

القاهرة - محمد بركة |

ينتمي الفيلم الجديد «البدلة» إلى نوعية الكوميديا الخفيفة، أو ما يعرف بـ «اللايت كوميدي»، حيث الضحك ولا شيء سواه هو الغاية الكبرى بهدف جذب أكبر قدر ممكن من شرائح الجمهور، لاسيما حين يتزامن العرض مع موسم ساخن يزدحم بالمنافسين كالأعياد أو عطلة الصيف. ولكننا نعرف أن ليس معنى انتماء عمل ما إلى الكوميديا الخفيفة، أن يكون بالضرورة سطحياً تافهاً. فالفيلم في النهاية شريط يطمح صانعوه إلى بقائه في الذاكرة السينمائية أطول قدر ممكن، ولن يسعدهم بحال من الأحوال أن ينساه المتفرج بمجرد خروجه من قاعة العرض. ولقد علمنا الدرس التاريخي أن بقاء عمل كوميدي في الذاكرة يعتمد أساساً على واحد من إثنين: إما المهارة في صناعة الضحك نفسه عبر طرافة الحبكة وجاذبية المفارقة وبراعة الأداء التمثيلي كما في فيلم «ابن حميدو» (لإسماعيل ياسين إنتاج 1957)، أو القضية التي تفجرها الكوميديا كما في حالة «الإرهاب والكباب» الذي فتح ملف استبداد الجهاز البيروقراطي للدولة وقهر المواطنين، (بطولة عادل إمام إنتاج 1992).


هذه المراهنة

يراهن «البدلة» على نجومية تامر حسني الذي يحظى بقاعدة جماهيرية كبيرة بين المراهقين والشباب في مصر كمطرب رومانسي ذائع الصيت بل ويعد المنافس الأبرز للميجا ستار عمرو دياب. في تجاربه السينمائية السابقة، اعتاد حسني أن يضع لمسته الخاصة حين يخرج عن النص ويلقي ما تيسر من نكات وإفيهات عادة ما قيل إنها تجنح للفجاجة عبر كمّ لا بأس به من الإيحاءات الجنسية والمفردات الأحدث في قاموس شتائم الطبقة الراقية والمتداولة عبر الفضاءات الإلكترونية وشواطئ ومنتجعات الأثرياء. والحق أنه سلوك نمطي من جانب» المطرب الشبابي» حيث لا يقتصر على أفلامه بل ظهر الكثير من تجلياته في أغنيات شهيرة له استدعت رفع دعاوى قضائية ضده من جانب محامين بارزين. وحتى إذا قيل إن معظم هذه الدعاوى تستهدف صنع» شو» إعلامي، فالمؤكد أن أصحابها وجدوا في تلك الأغنيات ما لا يجعل دعاواهم تفتقر إلى الحد الأدنى من الصدقية.

هنا يَبقى الرجل وفياً لهذا النهج، فنراه على سبيل المثال يعلق طوال الوقت على حجم منطقة «المؤخرة» لدى خاله» البدين» الذي يماثله في السن ويتعرض أكثر من مرة لإطلاق نار على أجزاء حساسة من جسده. كما نراه يتلاعب باسم خبير قانوني يدعى «الشرنوبي» ليوظفه في سباب بذيء كما يطلب زجاجة من الجرسون بالمطعم حين يخبره أن دورات المياه مشغولة مدة نصف ساعة، ولأن السياق يشير إلى أن الزجاجة ستكون بديلاً لدورة المياه يسارع قائلاً: زجاجة مياه معدنية، لا تفهمني غلط!. كما أنه لا يتورع عن التحرش بالفتيات في مواقف مختلفة مؤكدا أنهن يتعبن أنفسهن في التجمل ساعات طويلة أمام المرآة بينما الرجال لا يهتمون إلا بأجزاء معينة من جسد المرأة لا تطاولها المساحيق. وبالمناسبة التعليق الأخير على فجاجته ليس أصيلاً ولا مبتكراً، بل هو»بوست» شهير قالته سيدة على «فايسبوك» قبل سنوات وأصبح في غضون أيام الأكثر تداولاً وتعليقاً!

حين تضيع الحدود

كل هذه بالطبع مجرد أمثلة يمكن الإشارة إليها لتقريب الصورة، لكن الشريط يعج بالكثير مما لا يمكن أن نورده ولو من بعيد والذي شكًل طوال الوقت سمة ثابتة في القاموس اللفظي لصاحب البطولة المطلقة لهذا الفيلم. لا نعرف بالضبط متى وكيف نضع خطوطاً فاصلة بين تلك «النكات الفجة الأصلية» الواردة في السيناريو، والحوار الذي كتبه أيمن بهجت قمر وبين تلك التي تعد «اجتهاداً شخصياً ولمسة خاصة» من قبل تامر حسني؛ لكن النتيجة واحدة في الحالتين: فضاء يعبق بالإيحاءات الخارجة طوال الوقت عملاً بالمقولة الأثيرة لصناع السينما الهابطة: الجمهور عاوز كده!».

إثنان من الشباب يعانيان من الفشل والبطالة وعدم تقدير الآخرين، فتقودهما الصدفة إلى ارتداء» البدلة» الرسمية الخاصة بضباط الشرطة؛ وحين يجدان كم الاحترام الذي أصبحا فجأة يحظيان به بسببها يقرران عدم خلعها على رغم ما سيجلبه ذلك عليهما من متاعب جمة. إنها الحبكة الرئيسة الجيّدة في هذا الفيلم لطرافة الفكرة وقدرتها على توليد مفارقات ضاحكة، لكننا هنا إزاء خبرين سيئين وواحد فقط جيد! الحبكة أو القصة تبين أنها – كما هي للأسف عادة السينما المصرية مؤخراً – منقولة عن الفيلم الأميركي» لنكن ضباط شرطة» إخراج لوك جرينفيلد وبطولة جيك جونسون ودامون واينز، إنتاج 2014. وبدلاً من أن تكون كوميديا الموقف القائمة على تفجير المفارقات هي الإستراتيجية المثلى، تورط كل من «وليد» (تامر حسني) و «حماده عين العقل» (أكرم حسني) في سباق لا ينتهي من المبارزات اللفظية التي تفتقد فعلاً الفكاهة. لقد أراداها فاصلاً من الضحك فجاءت لتعكس حالة من الملل تليق بإثنين من الفاشلين الأغبياء يتنافسان في السخرية من بعضهما بعضاً وتسفيه كل ما يلقي به الآخر من تعليق! أما الخبر الجيد فهو أن صناع العمل يعترفون في عناوين البداية بأن الفيلم تمصير لفكرة أميركية في سلوك نادراً ما يقدم عليه المنتجون والمخرجون بالسينما المصرية، ويبدو أن هؤلاء باتوا – أخيراً – يشعرون أنهم مجبرون على احترام عقل المتلقي بخاصة بعد سياط النقاد التي باتت تجلد هذا النوع من السطو الفج. اللافت هنا أن التترات ذاتها تزعم أن القصة من تأليف تامر حسني بينما اكتفت بإسناد السيناريو والحوار إلى شخص آخر. والسؤال: كيف يكون تامر هو المؤلف في حين أن القصة نفسها مأخوذة – باعترافهم- من فيلم أميركي؟ وما سر هذه الرغبة «الدفينة» لدى ممثلين كبار في الظهور بمظهر المؤلف؟ تامر حسني ليس الأول في هذه السياق.

وعلى رغم أن النسخة المصرية من الحبكة لم تقلد نظيرتها الأميركية حرفياً وأبقت نفسها على مساحة معقولة من الاختلاف، إلا أنها وقعت في مصيدة الافتعال وعدم القدرة على الإقناع، فيما بدا تسرعاً من السيناريست وكأنه بصدد مهمة ثقيلة يريد الانتهاء منها بأية طريقة. وعلى سبيل المثال، لم نفهم كيف لشاب كسول هو» وليد» لم يفارق البيت يوماً واعتاد الرسوب في الجامعة لأكثر من عشر سنوات، أن يواجه بروح قتالية عالية، الإرهابي الدولي «ماركوس» الذي تلاحقه من دون جدوى أجهزة استخبارات عالمية ... بل ينتصر عليه في معركة مفتوحة بالأسلحة النارية وفنون الكاراتيه والكونغو فو! وحين تنتاب الصديقان «وليد» و «حماده» أزمة عنيفة تجعل الأول يطرد الثاني من بيته على رغم أنه خاله، نفاجأ بهما في غرفة لقياس الملابس في أحد المحلات وهما يتجاذبان أطراف المزاح وكأن أزمة حادة لم تعصف بعلاقتهما قبل ثوانٍ!