بين إشاراتنا الضوئية وإشارات المكسيك الراقصة

شيرزاد اليزيدي |

بثت قناة «سكاي نيوز عربية» قبل أيام تقريراً عن عرض رقصات باليه لفرق فنية محترفة على الطرقات والشوارع العامة في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي أثناء توقف السيارات عند الإشارات الضوئية الحمراء. فخلال نحو دقيقة وهي مدة توقف حركة المركبات عادة، تبادر الفرق إلى عرض رقصاتها وفنونها وسط الشوارع، وحالما تضيء الإشارة الخضراء ينسحب الراقصون والراقصات من فورهم إلى قارعة الطريق في محاولة لامتصاص التوتر الذي يعانيه الناس نتيجة عجقة السير والازدحامات المرورية الخانقة ولإشاعة أجواء من المرح والترفيه والجمال على وقع تمايل الحسناوات المكسيكيات بلباسهن المزركش والملون.


واللافت أن تقارير وأخبار معبرة كهذه قلما تجد مكانها اللائق ضمن شاشاتنا وفِي سياق نشراتها الإخبارية، إذ غالباً ما يتم وضع هذه النوعية من الأنباء في ذيل النشرات ككمالة عدد مع إغفال وقع ومعنى ما تكتنزه وتنطوي عليه من حوامل ومضامين وترميزات فكرية وجمالية بليغة. والحال أن السؤال البدهي الذي يقفز إلى بال المتلقي بفعل هذا الخبر يدور حول ما يشاهده الناس يا ترى في العالم العربي على الإشارات الضوئية في الطرق والشوارع، ما دفع القناة إلى عنونة التقرير الذي نشرته على صفحاتها وحساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بتساؤل من هذا القبيل، داعية القرّاء إلى الحديث عما يشاهدونه هم كل في بلده عند مفترقات تلك الإشارات لتجمع مئات التعليقات الممزوجة بالأسى والسخرية السوداء على فظاعة وقبح ما يشاهده أصحابها من تفشي ظواهر التسول والدعارة على هذه الإشارات حيث يتجمع أطفال وكهلة وذوو حاجات خاصة فضلاً عن بائعات هوى يستغلن لحظات توقف المركبات لعرض أنفسهن وللتفاوض مع من يرغب في اصطحابهن في ظواهر خادشة للذوق العام والحس الإنساني السوي. فشتان ما بين فرق رقص باليه تشيع البهجة والفرح والجمال وبين فرق التسول والدعارة والرذيلة وامتهان الطفولة والكهولة والأنوثة في سبيل جمع المال.

ولعل الخطوة الأهم في سياق مكافحة هكذا ظواهر سلبية ولا أخلاقية وصولاً إلى إصدار قوانين وتشريعات رادعة ومانعة لها هي في تسليط الضوء تلفزيونياً على فداحتها وتداعياتها ووضع مقارنات مع العالم من حولنا في هذا المضمار. فالبون شاسع وهائل بين لوحة فنية راقصة ومشهد البؤس الذي يمثله متسوّلون ومتسكعون ومومسات ممن لا ريب أن بعضهم ضحايا لواقع التردي والانحطاط الاجتماعي والسياسي والحقوقي وشبكات الدعارة والتسول والجريمة المنظمة فتسليط الضوء أيضاً على قصص وحكايا وخلفيات هؤلاء وكيفية انغماسهم وتورطهم في تلك الوحول يشكل مهمة صحافية وتلفزيونية ملحة وهذه قصة أخرى.