الأخلاق والوطنيّة واتفاق الطائف

طوني فرنسيس |

كثيرة هي الثغرات في الدستور اللبناني المعدل بمقتضى وثيقة الوفاق الوطني المقرة في الطائف عام 1989. وأبرز الثغرات تلك التي تسمح بتمييع الواجبات والحقوق والمواعيد الدستورية، وتفتح الباب أمام تطبيق «مادة دستورية» لم ترد في أي نص، هي مادة التعطيل.


عدم الوضوح في دور مجلس النواب وواجبه جعل ممكناً تعطيله وإقفاله شهوراً من دون أي حساب، وعدم التحديد في مهلة انتخاب رئيس الجمهورية أتاح وسيتيح لمن يرغب، إبقاء البلاد من دون رئيس للدولة شهوراً وسنوات. وفي موضوع التكليف وتشكيل الحكومة الجديدة، لا نصوص تحدد مهلة لرئيس الحكومة المكلف لتشكيل الحكومة، ويمكنه الاستمرار في المحاولة شهوراً الى الوقت الذي يتمكن فيه من إنجاز حكومته بالتوافق مع رئيس الجمهورية، أو يتخلى عن مهمته بقرار يتخذه بنفسه ولا يفرض عليه. بالتالي، فإن أي حديث يتناول اليوم موقف رئيس الجمهورية ميشال عون بالقول إنه يتجاوز صلاحياته هو قول خطأ، فرئيس الجمهورية يتداول بأي تشكيلة حكومية مع الرئيس المكلف، وموافقته ثم توقيعه على مرسوم إعلانها يأتيان نتيجة اتفاقهما، وفي حال عدم الاتفاق يستمر الرئيس سعد الحريري بالمحاولة. وهنا أيضاً، لا مبرر للبعض في محاولة محاصرة الحريري بدعوى المهل، وابتداع أفكار لا يتيحها الدستور حتى في فراغاته المحتملة.

كان جوهر اتفاق الطائف تحقيق المشاركة في السلطة، وهو مطلب إسلامي تكرر قبل الحروب الأهلية اللبنانية وتكرس ابتداء من عام 1983 إثر الاجتياح الإسرائيلي، وأدى ميزان القوى الداخلي والخارجي عشية مؤتمر الطائف، بما في ذلك حروب التحرير والإلغاء في المناطق المسيحية اللبنانية، الى تغييرات في رأس السلطة حدّت من دور رئيس الجمهورية الماروني وعززت دور رئيس المجلس النيابي الشيعي وكذلك دور رئيس الوزراء السني. وفي المؤتمر، أثيرت مسألة المهل وطرحت التدقيقات الواجب الأخذ بها لتفادي الفراغات، إلا أن الجميع ارتأى كما يروي النائب السابق بطرس حرب، ترك الأمر لوطنية وأخلاقية السياسيين الذين سيتولون السلطة، وكان ذلك بناء لاجتهاد الرئيس الراحل صائب سلام ونصيحته.

الأخلاقية والوطنية شيء عظيم يفترض أن يقود الى التزام أخلاقي صارم بالمواعيد والمهل على أنواعها وفي كل المحطات، لكن يتبين في الممارسة أن الساسة ينقصها غالباً الكثير من الأخلاق، فكيف إذا كانت واقعياً محكومة بموازين القوى،... والجميع يعرف ضمن أية موازين يعيش لبنان.