قوانين الرئيس التونسي بين حاكمية النص وحركة التاريخ

(الحياة)
صلاح سالم |

عندما كان الباشا محمد على يسعى إلى الاستقلال بمصر، ويحاول أن يصنع منها دولة حديثة، كان الباي أحمد يسعى إلى استقلال تونس وتحديثها متأثراً بحاكم مصر القوي في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولما كان المجدد رفاعة الطهطاوي، في الثلث الثاني من القرن نفسه، يترجم وينقل عن الفكر الغربي الحديث، خصوصاً الفرنسي، مآثره الكبرى في العلم والديموقراطية، أملاً بإحداث النهضة الثقافية المطلوبة، كان خير الدين التونسي، مفكراً مجدداً ووزيراً إصلاحياً، يسعى في الطريق نفسه، باحثاً في كيفية تنهيض بلاده وتجديد ثقافتها. لم يكن الرجلان يتكلمان عن مصر أو تونس بقدر ما ينشغلان بتجديد الإسلام ونهضة العرب. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، عندما كان هنا جمال عبد الناصر، زعيماً كبيراً، وتحديثياً عظيماً ومستبداً عادلاً، كان هناك الحبيب بورقيبة تحديثياً راديكالياً، ووطنياً كبيراً، اتسم بالحكمة العملية وافتقد الكاريزما الشعبية، لذا كان ما بينه وناصر من تباين في الرؤى، وجفاء في المشاعر، على رغم الإرث المتشابه الذي تركه كلاهما من تحديث سلطوي يفتقد التعددية والديموقراطية هنا وهناك. بل إن المشابهة بين التونسي محمد البوعزيزي والمصري خالد سعيد لا تزال مثيرة في تفجير الربيع العربي، الذي انطلق من هناك، لكنه لم يحمل اسمه إلا عندما أتى إلينا، فقد كان هناك بمثابة عصفور واحد، لكنه صار هنا ربيعاً كاملاً، بغض النظر عن المآلات التي أحالته خريفاً قاسياً.


وعلى هذا فإن أسخف ما قيل، ويمكن أن يُقال، في السجال الدائر حول المقترحات الأخيرة للرئيس التونسي، الخاصة بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وزواج التونسية من الأجنبي غير المسلم، هو التساؤل عن شأن شيخ الأزهر بما يجري هناك في تونس كما تساءلت امرأة تونسية، فمن حق الأزهر بل من واجبه الإعلان عن رأيه في كل ما يخص الإسلام، لكنه، في المقابل، لا يملك أكثر من ذلك الرأي، كي يبقى مؤسسة تعليم وفقه، ولا يتحول إلى كهنوت يمارس السياسة باسم الدين، فله الحق في إعلان ما يراه الأقرب إلى صحيح الإسلام، وللبرلمانات حق إصدار القوانين التي تراها الأكثر تعبيراً عن مصالح الناس أو توازنات السياسة.

لكن ما نود التوقف عنده هنا هو كيفية تحقيق التوازن بين أمرين: الأول هو تقليص سلطة التقليد التي تنزع عن النص تاريخية «ظاهره» وتسعى إلى أقنمته، ليصبح كله معطى نهائياً وجامداً. كما توسع كثيراً في حدوده، عندما تخلط بينه وبين التراث، فتحيل الأخير إلى دين، على ما فيه من نزعات خرافية تصادر العقل، أو جبرية تصادر الحرية. والثاني هو ترسيم معالم سلطة التجديد، وتبين الحدود المفترض أن تتوقف عندها، اعترافاً بأن ثمة عناصر جوهرية في النص، تتسم بالإطلاقية والتجاوز، حتى لا يتحول من خطاب إلهي إلى الإنسان إلى خطاب إنساني صرف، وهنا تستحيل (تاريخية النص) القادرة على تمديد فعاليته في التاريخ، عبر تحقيق التوازن بين عناصر الثبات الصانعة للرؤية الوجودية، وعناصر التغير المصاحبة للتحولات المعرفية، إلى (عدمية النص)، المفضية إلى إهداره في حركة التاريخ. وهنا نصبح أمام تحدٍ عملي، فجرته مبادرات الرئيس السبسي، سنجرؤ هنا على الاستجابة له على صعيد القضيتين الأساسيتين، زواج التونسية (المسلمة) من كتابي، ومساواتها بالرجل في الميراث.

أما القضية الأولى، فيبدو النص منحازاً إلى تحليلها، ففي الرؤية القرآنية للوجود تدين كل المخلوقات بإسلام فطري، فلا تملك إلا طاعة الله والخضوع للقوانين الكونية. ولهذا يطلق القرآن الكريم أحياناً وصف الإسلام على المؤمنين والكافرين، المنقادين لله بحكم خلقه لهم: «وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَات وَالأَرْضِ طَوْعا وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون»َ(آل عمران: 83). غير أن الاستعمال القرآني الغالب يُقصر وصف الإسلام على المؤمنين بالله طوعاً، فأتباع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد مسلمون. يقول نوح لقومه: «وَأُمِرْتُ أَنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ» (يونس:72).

ويعقوب يوصــي بنيه: «فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ» (البقرة:132). وأبناء يعقوب يجيبونه:»نَعْبُد إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (البقرة:133). وموسى يقول لقومه: «يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ» (يونس: 84). والحواريون يقولون لعيسى: «نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْـــهَدْ بِأَنَّا مُسْـــلِمُونَ» (آل عمران: 52). ثم يسرد القرآن سيرة الأنبياء الذين ينتظمهم عقد واحد، يجعل منهم أمة واحدة لها إله واحد: «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُم فَاعْبُدُونِ»(الأنبياء: 92). وهكذا ينطوى الإسلام كـ «دين توحيدي عام» على الإسلام كـ «شريعة تنزيهية خاصة»، ويضيف إليها أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين.

في ظل هذا الفهم، تتبدى مشروعية زواج المسلمة من الكتابي، على رغم وجود إجماع تاريخي يُحِّرمه، كونه غير مؤسس على نص قرآني محكم؛ فالآية الكريمة التي تقول: «ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم» (البقرة: 221)، لا تتحدث عن أهل الكتاب بل عن المشركين، غير المؤمنين بأي من شرائع التوحيد وفق الاستعمال القرآني الغالب. كما لا تقطع بالتحريم بل تشي بتفضيل المسلم على غيره، ومن ثم يمكن نسبتها إلى غير المحكم على صعيد الوضوح الدلالي في لغة القرآن، وتحديداً إلى (الظاهر) الذي يسمح بالتأويل. وفي ظني أن تحريم هذا الزواج ليس إلا تأويلاً فقهياً في زمن الفتوحات الإسلامية، وازدهار الحضارة العربية على نحو مثل شعوراً عاماً بالامتياز على الآخرين، ما يعني أن تأويلاً مغايراً يبيحه الآن يبدو ممكناً ومعقولاً.

أما القضية الثانية، فيبدو النص عقبة كأداء أمامها، وفق درجات الوضوح الدلالي التي حددها الإمام السيوطى «الإتقان في علوم القرآن» بأربع درجات، حيث تندرج قضية الميراث في الأولى منها، كنص قطعي الثبوت والدلالة، ارتسمت معالمه في سورة من كبريات سور القرآن المديني، ومن ثم فإن مشروع القانون الذي أحاله الرئيس التونسي على البرلمان يمثل اجتراء على النص. وعلى رغم أنه يترك أمر الاختيار للأب المورث، فيمكنه توريث أبنائه وفق الشرع أو القانون المدني إذا ما أراد، وهو ما اعتبره البعض حلاً توفيقياً بين المتدينين والعلمانيين، فإنني أراه حلاً تلفيقياً سيوجد الكثير من المتاعب عند تطبيقه، لأنه يفترض أن يقوم الأب نفسه بالتوريث وهو على قيد الحياة، فإذا ما رحل فالمؤكد أن يختلف الأبناء، فيطلب الابن تحكيم الشرع وتطلب الابنة تحكيم القانون، وهذا هو منطق الأشياء وطبيعة البشر. ناهيك عن أن القانون يثير إشكاليات تتعلق بالحالات التي ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل أو التي ترث فيها أكثر من الرجل، فإذا ما تركها على حالها يكون الأمر تمييزاً ضد الرجل وليس فقط إنصافاً للأنثى، ما يمثل عبثاً بنص محكم يمكن تعقله في ضوء دوافع أساسية:

الأول أن أحداً لا يستطيع أصلاً أن يمنع الأب من أن يكتب نصف ثروته، أو حتى كلها لابنته، فله الحق، كإنسان حر، في أن يخالف الشرع ويحابي من يريد وفق مستوى التزامه الديني، مثلما يملك الحق في أداء العبادات أو تجاهلها، ومن ثم فإن القانون الجديد لن يضيف إليه سلطة طالما كان حياً، فإذا مات من دون توريث الأبناء، ثارت هنا المشكلة على نحو ما بيّنا سلفاً، ما يعني أن مشروع القانون الجديد سيخلق مشكله بأكثر مما يقدم حلاً.

والثاني أن القرآن الكريم يشرع للميراث في ضوء «منظور تراحمي» يقوم على نمط من المساواة العادلة، وليس في ضوء مفهوم «الحق الفردي» القائم على المساواة المطلقة، كما هو الأمر في الفكر الغربي الحديث؛ فالإسلام لا يتصور العلاقة بين الرجل والمرأة إلا في سياق أسرة «وحدة إنسانية» وليس في سياق «علاقة تعاقدية»، فالمجتمع التراحمي إذن وليس الفردية المطلقة هو غاية التشريع الإسلامي الذي يصوغ حقوق الرجل والمرأة طرفين باعتبارهما إما إخوة متراحمين في عائلة متوارثة وإما «زوجين» يتكاملان في صوغ عائلة جديدة، وليس باعتبارهما طرفي عقد تجاري. في هذا الإطار ترث المرأة نصف الرجل، لأن الأخير ملزم بتوفير بيت للزوجية، والإنفاق على زوجته التي هي أخت رجل آخر ورث ضعفها لأنه سينفق على زوجته التي قد تكون أختاً للزوج الأول نفسه أو لا تكون، وهكذا تأخذ المرأة من الحقوق كفاء ما فُرض عليها من واجبات: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف». المنظوران هنا مختلفان نعم، ولكنهما متوازيان وليسا متفاضلين، فمن الذي يمكنه الحسم بأن المنظور التعاقدي أفضل من التراحمي، حتى من وجهة نظر المرأة، فهناك من النساء من يحبذون المنظور التراحمي لأنهم يجدون فيه إشباعاً لنوازعهم النفسية، وفطرتهم الإنسانية أكثر مما يحققه الحق الفردي من عائد مادي، أما اعتبار المنظور التعاقدي أفضل لمجرد كونه غربياً، فتلك عقدة نقص تعكس ضعفاً في الثقة بالذات الحضارية، واستسلاماً للمركزية الغربية.

والثالث أن النص القرآني، لا يزال أكثر تطوراً من جل المجتمعات الإسلامية التي غالباً ما تعجز حتى عن تطبيق المبدأ العالم، فالكثير من العائلات في البيئات المحافظة إنما تحرم الأنثى أصلاً من الميراث، أو تبخسها حقها بدفع قيمة مالية متدنية لنصيبها من الأرض أو العقار، خشية أن تنتقل أملاكها إلى من يعتبرونه غريباً وهو زوج الأخت أو الابنة، وهو خلل نفسي وثقافي يُهدر حكمة النص، لن يجدي تعديل القانون في علاجه، لأن المجتمعات المحافظة التي ترفض توريث النساء الثلث ستكون أكثر رفضاً لتوريثها النصف، فالأمر هنا أصعب طالما لم يتهذب الضمير أو يرتقي العقل، ولذا فالأولى الآن هو الاجتهاد الفعال في كيفية الارتقاء بالمجتمع إلى مستوى النص، بدلاً من إهدار حكمته من دون جدوى.

والرابع إن تقنين مثل هذا الاقتراح لن يحقق تطوراً جوهرياً في حياة المرأة، بل الأغلب أن يفضى إلى توترات مجتمعية عدة، إذ يزكي حنق المتدينين، ويدفعهم إلى تشكيل تيار مضاد للحداثة والعلمنة، وهو ما نظن أنه قد حدث سلفاً في تونس أعقاب تنفيذ مدونة القوانين التي تم إقرارها عام 1956م، حيث تم تحريم تعدد الزوجات، وجعل الطلاق أمام القاضي وليس في يد الرجل، وأيضاً المساواة في الإرث الذي تم التراجع عنه عام 1973م، وكلها أمور أثارت استياء ذوي الحساسية الدينية، ودفعت بهم إلى قبضة التيارات المتأسلمة، التي كادت ولا تزال تحاول أن تختطف الربيع التونسي، إلى كهف الخريف الإســلامي، وهنا يبدو واضحاً كيف أننا نهدر حـــكمة تاريخنا عندما نتناسى ذلك الدرس البسيط، وهو أن الإفراط في العلمنة سرعان ما يستدعي عنف الأسلمة، ولنا أن نتصور مثلاً، لو أن بورقيبة قد تحمس لتكريس التعددية الســـياسية بديلاً عن التشدد في تكريس حقوق المرأة، وكيف كان يمكن أن تصبح تونس الآن؟