لماذا أخاف على الحريات في لبنان؟

كارمن جحا |

أكره في العادة المقاربة الرومانسية حيال لبنان وبيروت خصوصاً. وأدرك تماماً وأكرر تكراراً مدى الفساد في البلد وخطورة طائفية زعمائه المنحدرين من بطولات الحرب الأهلية. لكنني هذه المرة أجد نفسي مضطرة للدفاع عما تبقى من حريات في لبنان كضرورة عربية وأولوية للناشطين في المنطقة.


فما نشهده من تضييق على حرية التعبير أخيراً يشكل تهديداً ليس فقط للبنانيين وإنما لجميع الناشطين في المنطقة العربية. فما يسمى بالمجتمع المدني أو السياسي في لبنان كان خلال الحرب الأهلية مساحة للوقوف بوجه الميليشيات الطائفية وإن فشل في التصدي لها. وعند انتهاء الحرب وهيمنة النظام السوري على لبنان، كانت القوى المدنية والسياسية من أول المستهدفين، فتم قمع وقتل وتهديد الشبان والشابات، وباتت الجامعات مفتوحة لنظام استخباراتي. وليس من المصادفة أن سمير قصير قد قتل بعبوة ناسفة قبل أول انتخابات بعد خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005.

بعد سنة 2005، أتت مرحلة أعيدت معها حرية التعبير والمعارضة السياسية. فازدادت الحملات المطلبية من نقابات وطلاب وجمعيات أهلية، وإن كان تأثيرها شبه معدوم لعدم تجاوب النظام الطائفي مع أي ضغط من أجل إصلاحات أساسية. هذه المساحة الصغيرة في منطقة عربية تحكمها ديكتاتوريات وأنظمة استبدادية كانت أساسية في إطلاق حوارات ولقاءات بين ناشطين عرب قبل اندلاع الثورات في سنة 2011.

لا أقول بشكر بيروت على أي من تلك التحركات، لكنني وأنا أنظر إلى الوراء صوب تلك المرحلة أتذكر عدداً من النقاشات والمنتديات التي كانت تحصل حول مواضيع كانت تعتبر شائكة في المنطقة، مثل التمثيل السياسي وإلغاء الطائفية وحقوق المرأة وحق الحصول على المعلومات. كانت مطاعم المدينة ومقاهيها تعج بشبان وشابات يسعون الى الانخراط في العمل السياسي. وقام العديد من المبادرات للحوار بين محازبين ومحازبات. لدي طبعاً انتقادات عدة على مبادرات كهذه، وفي شكل عام على الدور التي لعبته مؤسسات المجتمع المدني في لبنان، لكن لا يمكن إلا تذكر أهمية الأمل الذي أوجدته تلك الحركات بعد 2005.

لذلك، فمشهد الأسابيع الماضية يرعبني ويعيد التذكير بمرحلة كان فيها التعبير يشكل خطراً يومياً على صاحبه. لقد شهدنا في الأسابيع الماضية تحركاً غير مسبوق لمكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، وذلك باستدعاء مواطنين نتيجة «بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي. وبغض النظر عن مضمون هذا «البوست» أو ذاك، يرعبني ذلك المشهد لثلاثة أسباب أساسية: أولاً، إن الحد من حرية التعبير يشكل مدخلاً كبيراً للتضييق على أي مساحة لنشوء معارضة سياسية للوضع القائم. لقد عملت مع ناشطين في ليبيا وتونس والعراق على موضوع دور الدولة في الحفاظ على ما يسمى الأخلاق العامة، وأعرف جيداً كيف أن هذا المدخل يستعمل من أجهزة الدولة لتحديد سقف التعبير والتحرك السياسي. نبدأ بـ «بوست» على فايسبوك وننتهي ولدينا دولة تغلق وسيلة إعلامية نتيجة برنامج ما، أو تمنع فرقة موسيقية من أجل توجه ما، كما حصل مع فرقة مشروع ليلى في الأردن على سبيل المثل.

ثانياً، يرعبني أن نتعرف في لبنان على مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية من خلال استدعاء مواطنين مدنيين بسبب رأي، وإن كان يعتبره البعض استفزازياً. كنت أتمنى لو أن هذا المكتب أطلق شهرته مثلاً من خلال مكافحة مواقع إلكترونية تستخدم الأطفال في مواد إباحية، أو إغلاق مواقع إلكترونية تقوم بمعاملات مالية غير قانونية، أو مثلاً استدعاء أناس يعتدون، وتصوّر الكاميرا اعتداءهم، على عاملة منزلية بالضرب أو بتهديد حياتها. فالمواقع الاجتماعية في لبنان مليئة بصور ووثائق عن جرائم يومية أكانت في أزمة السير أو النفايات أو غيرها من أمور تهدد الصحة العامة. هذا الانشغال بـ «الأخلاق» المصحوب بصرف النظر عن جرائم حقيقية يخيفني ويحيرني.

ثالثاً، إن اعتبار «بوست» جريمة محتملة مقلق، وهذا بسبب عدم ثقتي بالدولة اللبنانية. مكافحة الجرائم المعلوماتية تتطلب خبرة هائلة. عالمياً، هذا الملف ليس مبتوتاً وقد حصلت مرافعات عدة من أشهرها كلام مؤسس فايسبوك مارك زوكربيرغ في مجلس الشيوخ الأميركي. تحديد نوع الكلام الذي يعتبر محرضاً أو مضراً بالسمعة أمر معقد ويتطلب خبرة وفهماً لقوانين عدة، أولها الشرعة العالمية لحقوق الإنـــسان.

وبدل الاســتفراد بناشطين هنا وهناك، يجب تركيز العمل على خطاب طائفي محرض أو ذكوري يمهد الطريق لاندلاع نزعات فعلية أو للاعتداء على النساء. في لبنان، يقدر أن عاملة منزلية تموت كل أســـبوع. فأين أصبحت تلك الملفات وما دور الأخلاق في مكافحة التحرش الجنسي الذي يحصل يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي؟ إن كان هدف المكتب فعلاً مكافحة الجريمة، فيا ليته يبدأ ويبني شهرته من خلال التصدي لجرائم واعتداءات يومية.

مقلق ومخيف المشهد في لبنان وليس فقط للبنانيين. بين محاولة إنشاء محرقة تهدد بأمراض سرطانية وبين خوف على وضع الليرة اللبنانية، تجد مقاهي بيروت تعم باليأس والاستسلام لواقع مرير يؤججه زحف التطرف الطائفي والانهيار الاقتصادي. وبغياب حل سياسي في سورية، يبقى وضع اللاجئين السوريين في لبنان من دون سياسة وقائية تحافظ على حقوقهم وتضمن لهم العودة الآمنة.

إن اعتبار التعبير جريمة محتملة جديد على منطق السياسة في لبنان، بخاصة على جيل جديد نشأ بعد 2005 وتعوّد على التظاهر والعمل السياسي المدني. لربما أمكنتنا الاستعانة بتجربة الناشطين من بلدان عربية أخرى للنظر في كيفية التصدي لهذا الخطر الداهم وإعادة تصويب مكافحة الجرائم المعلوماتية باتجاه المجرمين الحقيقيين والقضايا التي تهدد الأمان والحقوق.

* كاتبة وجامعية لبنانية