«على أبواب القيروان» لبول كلي: يوم صار السويسريّ رسّاماً

ابراهيم العريس |

في السادس من شهر نيسان (أبريل) 1914، سجّل شاب سويسري كان يومذاك في الخامسة والثلاثين من عمره، العبارة الآتية في دفتر يوميات كان يحمله ليلاً نهاراً خلال رحلة يقوم بها إلى تونس: «اليوم فقط أصبحت رسّاماً». في اليوم ذاته، كان ذلك الشاب قد أنجز لوحة قد تكون صغيرة الحجم ورسمها بالألوان المائية على عجل، لكنها ستكون ذات أهمية فائقة في حياته، وبالتحديد لأنها اللوحة التي أقنعته بأنه أخيراً حقق أمنية حياته وصار ذلك الرسام الذي لم يكن يعرف حينذاك في أي حال أنه سيكون واحداً من كبار فناني القرن العشرين، ناهيك بأنه سيعطي بلده سويسرا علامات نبالة فنية ندر أن كانت لها في تاريخها. ترى ألم يقل الكاتب الإنكليزي غراهام غرين أن الديكتاتوريات والحكم الشمولي كانت وراء إعطاء العالم بعض أعظم الإبداعات، أما ديموقراطية سويسرا التي لا تزال مستمرة منذ ثلاثة قرون «فإنها لم تستطع أن تنتج سوى ساعة الكوكو». للوهلة الأولى، يبدو كلام غرين صحيحاً، لكنه في حقيقته غير ذلك، إذ يضعنا تأمل الحياة الثقافية السويسرية إزاء بعض أكثر الأسماء تألقاً، ومن بين هذه الأسماء اسم الرسام بول كلي الذي لم تمنعه سويسريته من أن يكون دافئ الألوان حميم الخطوط في لوحاته.


> وبول كلي هو ذلك الشاب الذي نتحدث عنه هنا. هو السويسري الذي شعر بأنه صار رساماً في ذلك اليوم. فهل نكمل حديثنا هنا موافقين في شكل موارب على ما يذهب إليه غراهام غرين فنقول أن كلي حين خطّ تلك العبارة التي خلقت لسويسرا فنانها الكبير، كان يزور تونس ويرسم فيها؟ وأن اللوحة التي «خلقته» كان عنوانها «على أبواب القيروان»، وهي لوحة أبدعها بعد أيام قليلة من وصوله إلى تونس في رفقة فنانين آخرين صديقين له لن يفوت التاريخ أن يذكر أنهما أيضاً «وُلدا» فنياً في تونس في تلك الآونة»؟

> كانت «على أبوب القيروان» تلك اللوحة الترابية ذات الألوان المشعة الزاهية، والتي لا يزيد عرضها عن 23 سم وارتفاعها عن العشرين إلا قليلاً، واحدة من أولى إبداعات بول كلي «الشرقية/ الإسلامية»، بل ربما تكون أكثرها رومانطيقية إن لم نقل واقعية، فمن بعدها وفي تونس ذاتها، ثم بعد عودته إلى بلاده والحرب العالمية الأولى تنذر بالاندلاع، رسم كلي عدداً كبيراً من لوحات وصلت أحياناً إلى حدود التجريدية الشرقية الخالصة، وتميّزت جميعها، كما حال «على أبواب القيروان» ذاتها، بذلك الانفتاح على ألوان الحياة وعلى نور السماوات الصافية والتربة الباهرة، مع خطوط تكاد تبدو مستوحاة، في بعض الأحيان، من رؤيا السراب، وفي أحيان كثيرة، من واقع يقرب من المتخيّل، لدساكر ذلك الشمال الأفريقي الذي أُغرم به الرسام، ناهيك بتلك الشخوص التي رسمها في بعض اللوحات وقد حرص على أن تبدو في قسماتها وملابسها كأنها جزء لا يتحرك من المكان. فمن لوحة مائية أخرى تصور «ضوء القمر في سان جرمان» (التونسية) إلى «مشهد من القيروان» مروراً باللوحة المعنونة «بأسلوب قيرواني» اشتغل عليها أول الأمر عام 1914 ليعود إليها ويسبغ عليها بعداً تجريدياً فاقعاً في حداثته عام 1921 - بعدما كان في تلك الأثناء قد أمعن في ربط رسومه ببعد موسيقي لن يفوته أن يقول لاحقاً أنه إنما وُلد لديه أصلاً من خلال تلك الأنغام الريفية والرعوية التي كانت تصل إلى مسامعه في هدأة الليل التونسي من دون أن يدرك أبداً مصادرها - حقق بول كلي بدءاً من «على أبواب القيروان» رسوماً يمت معظمها إلى التراث العربي/ الإسلامي بصلات أكيدة لم تلدها المصادفة في أي حال، بل كانت وليدة دراسة معمقة تلك الزيارة الأولى لبلد عربي وانبهار بالزخارف التي شاهدها كلي فيه، من دون أن ننسى أنه في تلك الرحلة لم يكن وحده، بل إن رفيقيه فيها، لوي مْويّيه وأوغست ماكيه، حققا مثله وفي الوقت ذاته، عشرات اللوحات لكل منهما حول الموضوعات نفسها وبالأسلوب ذاته وإن كان بتشكيل أكثر دينامية لماكيه (مثلاً في لوحته «القيروان - 3»)، وتلوين أكثر تقشفاً لمويّيه (في لوحته المعنونة «قيروان»)، علماً أن هاتين اللوحتين، كما معظم لوحات كلي التونسية، تعود إلى العام نفسه.

> بول كلي الذي توفي عام 1940، كان ولد في قرية قرب مدينة برن السويسرية قبل ذلك بواحد وستين عاماً أي عام 1879، ودرس في ميونيخ حيث استقر فترة طويلة من حياته جعلت الكثيرين ينظرون إليه باعتباره ألمانياً. بين 1908 و1910، اكتشف كلي أعمال سيزان وفان غوغ وماتيس، قبل أن يكتشف لوحات جماعة «الفارس الأزرق»، لا سيما أعمال كاندنسكي وفرانز مارك.

> في 1913، توجه كلي إلى باريس ومنها إلى تونس التي شكلت مرحلة أساسية في مساره كما أشرنا أعلاه، والتي بعد أن رسم فيها الكثير من لوحاته ذات الألوان الشمسية الحارة والخطوط الزخرفية المستقاة مباشرة من المنابع العربية، والموضوعات التجريدية، قال أنه شعر بعد أن أقام فيها ردحاً من الزمن، بأن تكوّنه الفني قد اكتمل. ومنذ ذلك الحين، لم تكفّ أعمال بول كلي عن التراوح بين حساسية التجريدية الموسيقية، وتكرارية أنماط الرقش الإسلامي.

> في عام 1920، عاد كلي إلى ألمانيا ليصبح أستاذاً في مدرسة الفنون الشهيرة المعروفة باسم «البوهاوس». وبعد ذلك بعقد من، بدأ يدرّس في أكاديمية الفنون الجميلة بدوسلدورف، قبل أن يغادر ألمانيا هرباً من النازيين في 1933 ويستقر من جديد، في سويسرا حيث كرّس كل وقته لفنه وللتعمق أكثر وأكثر في تاريخ الفنون. وهو استمر على تلك الحال حتى آخر سنوات حياته. إذا شئنا أن نختصر مسيرة بول كلي الفنية سنقول أنه فنان عصيّ على التصنيف، إذ إن لوحاته تنتمي في الوقت ذاته إلى الفن التجريدي وإلى التيار السوريالي، كما أنها تمت بقرابة أكيدة إلى الفن التعبيري، كما ساد في ألمانيا، بخاصة عند العقود الأولى من القرن العشرين، حتى وإن كان الموضوع قد غاب كلياً عن أعماله، علماً أن الموضوع يشكل أساس الفن التعبيري. من هنا، ما يصل إليه معظم باحثي فن بول كلي من الاستنتاج بأنه ليس في نهاية الأمر سوى شاعر عبّر بالألوان عن توقه إلى الحياة هو الذي كان يعتبر نفسه واقفاً على الدوام خارج الحياة. وحول هذا الأمر، لم يكن من قبيل المصادفة أن يقول معرّفاً نفسه ذات يوم: «إنني غير قابل لأن أُلتَقَط جسدياً في الفيض المتجمد لهذه الحياة. وذلك لأنني أقيم بصورة مستمرة في عالم الأموات، كما أقيم في عالم أولئك الذين لم يولدوا بعد. إنني أشعر بأنني أكثر اقتراباً من قلب الإبداع نفسه، مما يتاح لأي امرئ أن يكون عادة. ولكن أقل كثيراً مما كان في إمكاني أن أشاء».

> مهما يكن من أمر، فإن بول كلي يعتبر، كما هي حال كاندنسكي، الفنان الذي حرّر الفن الحديث، بصورة نهائية، من ربقة الكلاسيكية، فإذا كان فنانون مثل بيكاسو وماتيس وبراك قتلوا الكلاسيكية قتلاً أوديبياً وعاشوا فنهم وحياتهم يحاولون انتزاع أنفسهم منها ومن عقدة الذنب التي ولّدها لديهم قتلهم لها، فإن كلي - وكاندنسكي إلى حد كبير - كانا الفنانين اللذين وضعا الكلاسيكية وراءهما بصورة نهائية وانطلقا في مغامرة حرة جديدة للفن الحديث. مغامرة عبّر عنها كلي بقوله في مذكراته: «إن الفن لا يزال في إمكانه أن يعيش بدايات بدائية، توجد في شطحات القبائل كما في رسوم الأطفال الصغار التي تزيّن غرف نومهم. فالحال أن لدى الأطفال هذه القوة والسلطة وهم قادرون على تعليمنا دروس الحكمة والبراءة في كل لحظة. وهم كلما كانوا أكثر جهداً، كانوا أكثر قدرة على أن ينقلوا إلينا الأمثلة الغنية بالدروس، لذلك يتعين علينا نحن أن نبقيهم بعيدين من الفساد (...) وبالتالي فإن الفن، انطلاقاً من هنا، لا يتعين عليه أن يعيد إنتاج ما هو مرئي، بل أن يجعل الأشياء مرئية».

> لم يكن مرور بول كلي في تاريخ الفن، حدثاً عادياً، بل كان بداية تحرر الفن من معظم القيود التي كانت تكبله. وبالنسبة إلينا، نحن العرب، كان بداية اندماج فنوننا العربية/ الإسلامية في مسار الفن، ليس كمادة للانبهار على الطريقة الاستشراقية، بل كدرس في اللغة البصرية.

لوحة «على أبواب القيروان» لبول كلي