جدليات علاقة الاجتهاد والإفتاء بالمصلحة

(ويكيبيديا)
إبراهيم البيومي غانم |

يقيني أن لدينا «نظرية فقهية» عملاقة، وأن المجتهدين في الفقهِ وأصوله شيدوا بناءً رائعاً من القواعد والمبادئ التي أسهمت في شكل مباشر وأحياناً غير مباشر في توجيه الحياة في المجتمع الإسلامي. ولكننا نعلم أن «النظرية» مهما كانت قوتها، و «القواعد» مهما كانت روعتها، فإنها لا تنتقل تلقائياً إلى التطبيقِ في الواقع الاجتماعي. كما لا تكفل قوة «النظرية»، أو «القاعدة» بحد ذاتها نجاح هذا التطبيق في بلوغ أهدافه. ومن هنا بالضبط يتعين البحث في وقائع عملية الانتقال من «التأصيل النظري» للقواعد الفقهية، إلى حيز التطبيق العملي ضمن وقائع الحياة الاجتماعية.


نظرياً توجد أربع جهات مسئولة، وهي ذاتها وسائل تنتقل عبرها النظرية أو القاعدة الفقهية إلى حيز الواقع الاجتماعي بمستوياته الفردية والجماعية، وبأنساقه الاقتصادية، والعائلية، والفئوية، والسياسية، والسلوكية أيضاً. وهذه الوسائل الأربع هي:

الوسيلة الأولى هي فتوى المفتي، ويتوقف الأمر على قبول المعْنيّ بهذه الفتوى وعمله بها. والثانية هي حكم القاضي، وهو واجب التنفيذ والعمل به لحسم الخصومة. والثالثة هي قرار السلطان/ الرئيس/ الحكومة، وقراره واجب اللزوم والعمل به في حدود طاعة الحاكم الشرعي. وقد يُصدر الحاكم بالفتوى قانوناً أو تشريعاً واجب النفاذ. أما الوسيلةُ الرابعة فهي الدروس التي يلقيها العلماء مجالس العلم والتعليم والوعظ والإرشادِ، وأدواتُ تكوين الوعي والتأثير في الوجدان العام، باعتبار أن التبليغ واحد من أهم وظائف العلماء.

في مباحث «سد الذرائع» بمؤلفات الفقهِ وأصوله قديماً وحديثاً لا نكادُ نعثر على إجابة «نظرية» لسؤالين: الأول من المنوط به مسؤولية تقدير المفسدة والمصلحة والتوصل إلى رأي أو قرار بترجيح أحداهما على الأخرى؟. والثاني هو: من المنوط به «تنفيذ» عملية السد أو الفتح عندما تغدو لازمة التنفيذ؟. لا جواب على أي من ذينك السؤالين، وإن كنا قد وجدنا ثروةً من المعايير «النظرية» التي يمكن تحويلها لمؤشرات تساعدُ في الإجابة، وبالقطع هي ستساعد في تحديد وتمييز المفسدة من المصلحة وترجيح إحداهما على الأخرى، وذلك بعد عرضها على واحدة أو أكثر من الجهات آنفة الذكر (المفتي- القاضي- الحاكم). وأهم تلك المعايير هي: «قوةُ الشبهة»، و «عدم مخالفة المنصوص عليه»، و «انتفاء البديل الشرعي»، و «أن لايؤول الأمر إلى الحرجِ»، و «أن لا يوقع العمل في الوساوس والأوهام»، و «أن يتحقق المقصود من العمل به»، و «تقديمُ الأقوى عند التعارض»، و «عدم الإخلال بالنظام العام»، و «تعيين المحصور مما لا ينحصر» ...إلخ.

من نقاط القوة - وهي كثيرة - في قاعدة الذرائع، وكذلك في نظرية «الاحتياط» المعروفة في الفقه وأصوله في شكل عام، أنها تدفعُ العقلَ الاجتهادي الفقهي - ومعه العقل الجمعي للمجتمع - للتفكير فيما سموه «المآلات»، أي في المستقبل. كما أنها تدعو إلى تقدير عواقب الأمورِ، وتحليل مساراتها المحتملة. وهذا النمط من التفكير المتقدم يلزمه مدُّ البصر إلى الأجلين المتوسط والبعيد لأخذ ما يلزم وفي التوقيت المناسب لدرء المفسدة وجلب المصلحة.

والمؤكد أن فوائد كثيرة تحققت بفضل تشغيل العقل الفقهي في المستقبل عبر فكرة «المآلات»، وتنوير الوعي الجمعي بأهمية النظر للمستقبل والتخطيط له والاحتياط من مزالقه، ومن ثم المساعدة في الخروج من حالة الامتثال للأمر الواقع.

ولكنَّ وقائعَ الممارسةِ الاجتماعية التاريخية تُظهرُ أنَّ الأمرَ لم يَسرْ على هذا المنوال الإيجابي طول الوقت. وأن روعةَ فكرة «المآلات» كما تجلت في قاعدة «الذرائع»، ونظرية «الاحتياط» مثلاً، لم تتحول في الواقع إلى ثقافة عامة للتفكير في المستقبل والمبادرة بالأعمال والمشروعات الكفيلة بتحقيق المصالح ودرء المفاسد العامة والخاصة. بل ثمة مؤشراتٌ ودلائل على أن النزوعَ «الفقهيَّ» نحو المبالغةِ في الاحتياط وسد الذرائع كان ولا يزال أقوى منه نحو فتحها، وأقوى من توظيفها في التدرب على رؤية المستقبل وحسن تقدير المآلات.

ويكفي أن نشير إلى خطورة هذه النزعة تحت دعوى « فساد الزمان»، هكذا بإطلاق! لأننا إذا سلمنا بأن الفساد صار صفة «للزمان» فإن مثلُ هذه التعميمات غير المتحفظة لا يؤيدها الواقع الاجتماعي، وترفضها منهجيات العلوم الاجتماعية، وصحيح المنقول يؤكد على أن الخير في أمة محمد إلى يوم القيامة، كما أن بدائهَ العقول تقول إن الخير في الدنيا أقوى من الشر، وإلا لآلت أحوال الخلق إلى الخراب.

وعلى أية حال فإن الفقهاءَ قديما سَلَّموا كل ما له صلة بالمصالح العامة إلى زمام «السياسة الشرعية» وسلطة ولي الأمر. وتعبير «ولي الأمر» بصيغة المفرد يشير إلى جانب من جوانب تغليب سلطة الأمر الواقع على الأصل في ولاية الأمر وهو «الشورى» التي تفترض تعدد وتكامل مراكز السلطة وجهات صنع القرار المتعلق بالمصالح العامة.

كان لابد من هذه التقدمة لفهم أثر الفتوى عندما ترتبط بسلطة ولي الأمر في مسألة من مسائل المصالح الاجتماعية العامة. والمثال التاريخي الذي نقدمه هو الفتوى الشهيرة التي أصدرها مفتى الإسكندرية في عهد محمد على باشا بجواز منع إنشاء الأوقاف سداً لذرائع الأغراض الفاسدة وصيانة للمصالح العامة.

في سنة 1262هـ/ 1846م أصدرَ «الشيخ محمد الجزائرلي مفتي الإسكندرية فتوى بجواز منع الوقف. وكان محمد علي باشا قد أرسل إلى المفتي الجزائرلي سؤالاً نصه هو: «ما قولكم فيما لو وردَ أمر أميري يمنع إيقاف الأماكن المملوكة لأهلها، سداً لذريعة ما غلب على العامة من التوصل به لأغراضٍ فاسدة من حرمان بعض الورثة، والمماطلةِ بالديون وتعريضها للتلف: هل يجوزُ ذلك، ويجب امتثالُ أمره، أم كيف الحالُ أفيدو» (أ.هـ).

فأفتاه المفتي الجزائرلي. وجاء في نص فتواه أنه: «يجوز لولي الأمرِ أن يصدرِ أمراً بمنع الناس من وقف أملاكهم وتحبيسها فيما يستقبل من الزمان، سداً لذريعة أغراضهم الفاسدة... ولأنه مما تقتضيه السياسةُ الشرعيةُ، استنادا لما حكيناه عن إمام المذهب»(أبو حنيفة).

وعلى أثرِ تلك الفتوى، أصدر محمد علي أمراً عاماً في 9 رجب 1262هـ (1846م)، بمنع إنشاء أوقاف جديدة اعتباراً من تاريخه (كتابنا: الأوقاف والسياسة في مصر (القاهرة: دار الشروق، 1998) ص389، و390) إذن فقد قام اثنان من المنوط بهم نقلُ قاعدة سد الذرائع إلى أرض الواقع: الوالي والمفتي. فماذا حصل بعد ذلك؟.

تقولُ الوثائقُ التاريخية التي اطلعنا عليها: إن أمرَ محمد علي بمنع الوقف استناداً إلى تلك الفتوى لم يطبق إلا في حدود ضيقة جداً في الأراضي العشورية، أي الأراضي التي فرضت عليها العشور وبقيت في يد أصحابها منذ الفتح الإسلامي لمصر. أما إنشاء الوقفُ في بقية الممتلكات من عقارات مبنية وأراضٍ زراعية فلم يتوقف. ومع ذلك استمر أمر المنع المشار إليه ثلاث سنوات فقط، ثم ألغاه عباس باشا الأول بعد أن أصبح والياً على مصر من دون أن يستصدر فتوى جديدة أو يستشر المفتي الجزائرلي نفسه، وهو الذي سبق أن أصدر فتوى المنع وكان لا يزال على قيد الحياة.

أصدرَ عباسٌ بتاريخ 25 رمضان 1256هـ (1849م) أمراً ليس فقط بالإلغاء، وإنما بإدانة ضمنية لفتوى الشيخ الجزائرلي وأمر المنع الذي كان جدهُ محمد علي قد أصدرهُ. ومما جاء في أمر عباس: «كان قد صدرتْ إرادة مخصوصةٌ من جانب الحكومة بمنع الأهالي من وقف أملاكهم، ولكن ظهرَ أن هذا الأمرَ جائرٌ، وتعدٍ على حقوق الناس، لذلك أمرنا بصرف النظر عن اتباع حكم هذه الإرادة، ليكون كل شخص حراً في وقف أملاكه وفق حكم الشرع الشريف المحمدي، ولا يتعرض له أحد، ولا يمنعه».

وما أن زال أمرُ المنع حتى عاد وقف الأهالي للأراضي العشورية بأشد مما كان. ورصدْنَا وقف ثلاثة آلاف فدان في سنة واحدة (1267هـ- 1851م)، وهي المساحة التي سجلت آنذاك في محكمة مصر الشرعية وحدها. هذا إضافة إلى أن الأهالي استمروا في وقف أملاكهم خلال سنوات المنع في غير الأراضي العشورية.

ثمة خطأ أكيد أدى إلى ذلك المآل الفاشل لأمر المنع وإلغائه وإدانته وإدانة الفتوى التي استندت إلى «سد الذرائع» ، وإلى «السياسة الشرعية». وسؤالنا هو: أين مكمن الخطأ؟. هل هو في أن الواليَ اعتمد على معلومات غير دقيقة في تقدير حجم حالات سوء استخدام الوقف لتحقيق «أغراض فاسدة»، ومن ثم لم يأبه الناس بأمر المنع؟. وإذا كان الأمر كذلك: فهل يلام المفتى في شيء على المآل الفاشل لفتواه؟. أم إن ضعفَ شكيمةِ محمد علي في أواخر سني حكمه هو الذي تسبب في عدم تطبيق أمره بمنع الوقف، وكانت الرغبة الاجتماعية أقوى من أمر السلطة، على رغم استنادها على فتوى شرعية بجواز ذلك سداً لذرائع «الأغراض الفاسدة»؟. لسنا نعرف على وجه الدقة. لكن لا يُحتج على أية حال بقول قائل: إن محمد علي كان عدواً للأوقاف فأراد أن يمنعها بغطاء فتوى شرعية، فآل أمره للإخفاق. فهذه حجة غير صحيحة، لأن محمد علي قبل سنتين فقط قبل إصدار أمر المنع كان قد فرغ من إنشاء خامس وقفية له وباسمه شخصياً سنة 1260هـ 1845 م. أي إنه لم يكن عدواً للوقف. الأمرُ الذي يشيرُ إلى أنه كان جاداً في سد ذرائع الفساد في الممارسة الاجتماعية للوقف حسبما تشير إليه المعلومات التي تجمعت لديه، ولكن خطأ ما وقع. ومن جهة أخرى لا يعقل أبداً أن أحوال الناس تغيرت من الفساد إلى الصلاح في السنوات الثلاث التي فصلت بين أمر منع الوقف سداً لذرائع الفساد، وأمر إلغاء المنع الذي أصدره عباس الأول!.

والملفت للنظر أن المفتي الجزائرلي كان على قيد الحياة عندما أطاح الوالي عباس بالفتوى وبأمر جده محمد علي ووصفه بأنه «جائر»، وتضمن أمر الإلغاء نقداً لاذعاً، صرح فيه أن المنع مخالف لحكم «الشرع الشريف المحمدي»، فهل كان عباس أحرص على إمضاء حكم الشرع المحمدي من فضيلة المفتي؟. وإذا كانت الإجابة بالنفي، فلماذا لم يوضح المفتي هذا الأمر ولم يدافع عن فتواه؟. أم إن علامات الاستفهام الأكبر تحوم أصلاً حول محمد علي الذي ترك مفتي المحروسة، واختار أن يستفتي مفتي الإسكندرية بالذات- وقد علمنا أنه عينه مفتياً على الإسكندرية بعد نفيه من الجزائر؟.

إن كل تلك التعقيدات التي أحاطت بفتوى وأمر منع الوقف تطبيقاً لقاعدة سد ذرائع ترينا حجمَ الفارق الهائل بين جمال التظير والتقعيد الأصولي والفقهي، وبين مصائر التفعيل في الممارسة الاجتماعية. والأهم من ذلك أنها ترينا أن نقص أدوات التعرف على حقائق الواقع والممارسات الاجتماعية تعتبر سبباً رئيساً من أسباب تلك الفجوة بين النظرية والتطبيق. وهو ما يدعونا إلى التفكير في كيفية علاج هذا النقص بإزالة الحواجز بين متخصصي العلوم الاجتماعية والإنسانية ومتخصصي العلوم الفقهية والأصولية.