«المقتطف» ... سيرة مجلة رائدة

(الحياة)
عبدالحميد ناصف |

«المقتطف» من أقدم الدوريات العلمية العربية صدرت عام 1876 وتوقفت عام 1952. وفى عام 1926 كان هناك احتفال كبير صاحبه إصدار كتاب تذكاري لمناسبة اليوبيل الخمسين للمقتطف كتب فيه أغلب مثقفي تلك الفترة من عظماء المشرق والمغرب ومصر، وكانت الحفلة الرئيسة برعاية الملك فؤاد الأول وحضور رئيس الديوان محمد توفيق شيحة ونخبة كبيرة من المدعوين في دار الأوبرا الملكية المصرية، وكانت نابغة الشرق الآنسة «مي» قد دعت لفيفاً من أهل الإبداع للبحث في تكريم «المقتطف» وحضر من هؤلاء طه حسين وعباس العقاد والمازني وأحمد لطفي السيد وأحمد شوقي ومحمد رشيد رضا وإنطون الجميل بك وسليم سركيس ونقولا حداد وأمير بقطر وإدغار جلاد... وآخرين. وفي 26 حزيران (يونيو) 1925 صدر عن المجتمعين دعوة للمشاركة في الاحتفال بتوقيع سكرتيرة اللجنة «مي» وتلقفت الصحف الخبر ونشرته كـ «البلاغ» و «السياسة» و «الاتحاد» و «اللواء المصري» و «الأخبار» و «جورنال دي كاير» والـ «بورص أجيسيك» في القاهرة، و «لسان الحال» و «العرفان» و «المباحث» في لبنان و «النديم» التونسية و «صوت الشعب» من بيت لحم. و «مجلة اللغات الشرقية» في برلين و «منبر الشرق» في جنيف حتى وصل صدى الدعوة للاحتفال إلى البرازيل (توفيق صفوت) وأميركا (فيليب متى وبطرس شحادة جورج). وكانت الدعوة إلى الحفل بعد ظهر يوم الجمعة 30 نيسان (أبريل) 1926 وكان برنامج الحفل كما يلي: كلمة الافتتاح لمحمد توفيق رفعت باشا، كلمة متخرجي جامعة بيروت الأميركية والجالية السورية في أميركا الجنوبية يلقيها سعيد شقير باشا، قصيدة لأحمد شوقي بك، كلمة الدكتور محمد حسين هيكل بك بعنوان «المقتطف والحركة الفكرية والاجتماعية في الشرق»، وفى الجزء الثاني من الاحتفال كلمة لواصف بطرس غالي باشا بعنوان «وقفة بين مرحلتين»، قصيدة لخليل مطران بك، وكلمة للسيد محمد رشيد رضا عن «أثر المقتطف في نهضة اللغة العربية بالعلم»، فقصيدة لحافظ إبراهيم بك، ثم نشيد «المقتطف» يلقيه اسكندر شلفون ويختتم الحفل بكلمة لصاحبي «المقتطف». ويذكر أن الجالية السورية اللبنانية بالبرازيل قد اكتتبت لصنع تمثال بديع أهدي إلى «المقتطف». ومن بين مقاطع النشيد ما يلي:

خمسون عاماً قد مضت... في كل فن أو مضت

في خدمة العلم انقضت ... وازدهرت وأروضت

عود عزف شاد هتف ... فليحي رهط المقتطف

للعلم في ظل النعم ... وليحي أنصار القلم

ولم يقتصر أمر الاحتفال الرسمي فقط في دار الأوبرا المصرية بل إنه كانت هناك عدة احتفالات أخرى تكريماً لـ «المقتطف» ودورها العلمي والثقافي كالحفل الذي دعا إليه ألفرد شماس بك العضو بمجلس الشيوخ وكذلك احتفال دعت إليه جامعة بيروت العربية في وطن «المقتطف» الأول بيروت، ألقى فيه عدة كلمات لبولس الخولى وجبر حنو مطر ودأود قربان وآخرون وألقيت قصائد لأنيس الخولي المقدس وخطب فؤاد أفندي صروف عن قيمة البحث العلمي ومهمة «المقتطف». وكل تلك الكلمات وغيرها كثير أصدرته مطابع «المقتطف» في مجلد تذكاري بهيج في أكثر من 240 صفحة (من دون غلافه المقال).


لكن ما هي «المقتطف» وتاريخها ومنشؤها؟

«المقتطف» فكرة صغيرة تولدت على مقاعد الكلية الأميركية ببيروت اتفق على إبرازها إلى حيز الوجود ثلاثة من الأدباء العلماء صروف ونمر ومكاريوس، فكانت همزة وصل بين الأقطار العربية، نشأت «المقتطف» في زمن التنازع بين الدين والعلم بسبب مبادئ علمية اكتشفها علماء ذالك العصر عدها رجال الدين مقوضة لفروض التقوى وداعية للكفر فأخذ بالحجة والبرهان يثبت ما لا يمكن نكرانه علماً أو ديناً، قطعت «المقتطف» مراحلها كلها في جو مشبع من التأثير السياسي وكان قراؤها كلهم يكيفون ميولهم بعوامل سياسية أما «المقتطف» فقطعت كل هذه المراحل غير متأثرة بهذه التأثيرات والعوامل. أما المعركة الثالثة فضد الحملة الشعواء التي يحملها بعض دعاة اللغة العربية على البعض الآخر طالبين التقيد بأوضاع قديمة، وقد عممت «المقتطف» فوق كل المبادئ الفلسفية مبدأ النشء والتحول في تطوره وتجدده منذ عهد لامارك ودارون متبعاً سير المفكرين المتفاقين، وكان فضل «المقتطف» عظيماً أيضاً في تصميم الفلسفة الوضعية المرتكزة على المحسوس والمؤيدة بالاختبار جرياً وراء العلم الصحيح أي العلم العملي القائم على التجربة، ويصح أن تسمى «المقتطف» دائرة معارف فقد تنوعت مباحثها وتعددت مواضيعها. كما أتى بالآراء العصرية والنظريات الحديثة التي حسبها البعض عدواً لدوداً للدين- أول أعداد من «المقتطف» صدرت في بيروت في أيار 1876 على يد أستاذين في الجامعة الأميركية- كما أسلفنا- أحدهما يدرس الفلسفة الطبيعية والرياضيات والآخر يدرس علم الهيئة واللغة اللاتينية. وأصدرا «المقتطف» في 24 صفحة وفي السنة الثانية ناطا إدارة المجلة بالشامينى بك مكاريوس ومع دخولها سنتها السادسة وصلت إلى حوالى 64 صفحة. ولأن ظروف البلاد السورية كانت في حالة اضطراب سياسي وتضييق فرأيا في سنتها التاسعة أن يهجروا بها إلى مصر فوجدا فيها بيئة صالحة وشعباً يقدر زعماؤه المعارف والخدمة في سبيلها حق قدرها. وبلغت المجلة 120 صفحة، وأصبحت تاريخاً عاماً شهرياً لكل ما يحدث في معاهد العلم وأندية الزراعة والصناعة في العالم.

وبالنسبة لمباحث وموضوعات المقتطف فقد تنوعت فلو ألقينا نظرة على الأجزاء التي صدرت فيها خلال عام الاحتفال (1926) من كانون الثاني (يناير) إلى نيسان (أبريل) نطالع فيها مسائل من القطر المصري عن القطن والطباعة والتجليد وفعل الحشيش وتأثير الكوكايين والخمر وصنعها، ومن فلسطين عن المجلات العلمية الشهرية الإنكليزية وكيفية إبقاء الجسم نحيفاً، ومن بغداد عن مرض الكساح وشفائه وترجمة كتاب الغرور لماركس نوردو وتقليل الطرب بالموسيقى، ومن البرازيل عن استقلال مصر وسبب عدم زراعة البن فيها، وتناولت شكل حكومة إيران وحكومة روسيا وحقيقة السحر وتاريخ لبس البرقع والزمن الذي وجد فيه أدم، أما العدد الذي صدر في أيار (مايو) 1876 ففيه مقالة في عمل الزجاج وبحث فلكي في القمر ووصف أراضيه وطبيعته وآراء المتقدمين فيه، ومقالة في الميكروسكوب وكلام على علماء الهيئة عند العرب ونبذة في اللغة الحميرية والقلم المسند وآخر في الصباح الأحمر المعروف بدم العفريت وتفصيل عن المطر وأسبابه... وفي ما يتعلق بالكلمات التي قيلت في المقتطف، نشرت جريدة «ترينر» الإنكليزية المعنية بالكتب والمجلات الشرقية عام 1883 «أن المقتطف واسطة الاتصال بين أسمى معارف عصرنا العلمية التي تنتشر في الجزائر الأوروبية والأميركية وبين أزهار المتكلمين بالعربية وتتضمن عدا ذلك أبحاثاً مبتكرة دقيقة المعاش في المواضيع الجارية الآن وكثيراً من الفوائد العلمية الموافقة لحاجات البلاد»، وقال صاحب الدولة المصرية «رياض باشا» إن للمقتطف عندي منزلة رفيعة وقد ولعت بمطالعته منذ صدوره إلى اليوم فوجدت فوائدة تتزايد وقيمته تعلو في عيون عقلاء القوم وكبرائهم ولطالما عددته جليساً أيام الفراغ والاعتزال ونديماً فريداً، وقال لورد كرومر في كتاب أرسله إلى أحد منشئي المقتطف عام 1907: «أرجو أن تقبل صورتي المرسلة إليك، هذا كتذكار خفيف لعلاقتنا السابقة ومعها شكري المخلص للمساعدة الكبيرة التي ساعدت بها مدة سنين كثيرة الارتقاء العقلي في هذه البلاد».