النظر في تعريف ماهيَّة «فقه العُمران»

(ويكيبيديا)
خالد عزب |

نشر ملحق «تراث» مقالات عدة لأحد الباحثين تتناول موضوع فقه العمران من دون إشارة إلى كتابي «فقه العمران» الذي صدر قبل سنوات عدة وطُبع غير مرة. لكن ما زاد الأمر سوءاً هو أنه في آخر مقال عدّد مَن كتبوا في هذا المجال من دون أن يذكرني، فضلاً عن عدم وضوح نظرية فقه العمران لديه والتي هي نظام حياة وفلسفة حضارة.


تشير دلائل كثيرة من تراثنا إلى نمو مطرد للمعرفة وفلسفتها في الحضارة العربية الإسلامية، لكن هناك هوة حدثت لدى دارسي العلوم الإنسانية في الوطن العربي، نتيجة للتأثر بالمدارس الغربية، وهو تأثير طبيعي نتيجة للتقدم العلمي الذي أحرزه الغرب وأثمر مع القرن الثامن عشر وإلى الآن. لكن الفرق بيننا وبين الغرب هو قطيعته مع العلوم الوسطى، وهي قطيعة طبيعية نتيجة لأن تقدمه قام عليها، بينما كان إدراكنا للمعرفة وأهميتها ونموها لا يتطلب ذلك. هنا أقود القارئ إلى موضوع دراستي، فالمدن التراثية العربية الإسلامية، ما زالت حيةً بيننا، شاهدةً على معطيات معرفية وفلسفة بنيت على أسسها، ويتفق الأثريون على أن هذه المدن تتكون من شوارع وبنايات لها خصائصها وعلاقاتها ببعضها بعضاً، لكن من دون فهم النظرية التي صاغت هذه الشوارع وهذه البنايات، يصبح فهمها صعب المنال. لذا بدت الدراسات الأثارية في القرنيين التاسع عشر والعشرين للمدن الإسلامية منفصلة عن النظرية التي صاغتها وأسبغت عليها ملامحها، فظلت المدرسة الوصفية هي السائدة، وأبرز أعلامها كريزويل الباحث الإنكليزي، وجاستون فيت الباحث الفرنسي، وماكس فان برشم الباحث السويسري، وأرنست كونل الباحث الألماني. لكن هؤلاء درسوا هذا التراث المعماري خارج سياقه المعرفي، فتحول إلى حجر أو جدران غير ناطقة، في حين أن هناك لكل منشأة لغة معمارية تعبر عنها، وتستند إلى تفاعلات الواقع مع المعطيات الثقافية سواء الموروثة التي تميز كل مجتمع إسلامي عن الآخر، أو عبر البناء المعرفي للقيم الإسلامية. هنا نؤكد أن مسيرة المعرفة لهذا النوع من الدراسات لا تتضمن فقط الإدراك، وإنما نفوذ القرار وقوته في الإطار الثقافي، والسؤال: هل هذه هي المعرفة والتي تكمن في القرار البناء المترتب عليه في الإطار الثقافي؟ يرى الفلاسفة أن المعرفة ليست هي الاعتقاد الحقيقي، وإنما مبررات هذا الاعتقاد، وبالطبع هنا ينتقل النقاش من مجرد الإقرار بوجود عمران وعمارة في المجتمعات الإسلامية إلى البحث عمّا وراء هذا العمران وهذه المعرفة من معطيات صاغت البيئة العمرانية والعمارة. هنا أستطيع أن أستدعي رؤية جون سورال في كتابهThe construction of social venality، للاتجاه نحو واقعية المعرفة التي تلامس الحقائق الاجتماعية وغيرها مع هذا العالم الذي يتكون من جزيئات فيزيائية. لذا فإن العودة إلى أسس نظرية المعرفة التي هي وراء منظومة فقه العمران في الحضارة الإسلامية، تقودنا إلى البحث عن مفهوم العمران عند المسلمين، الذي يرتكز على بُعدين: الأول؛ القوة، وهي من صفات الإسلام، فكل عمل يقوم به المسلم ينبغي أن يكون متقناً، والقوة أساس الإتقان، هذا أتى من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله من عمل عملاً وأتقنه»، وقوله: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». والقوة شرط في البناء لأنها أساس حفظ الأرواح، إذ لو أن البناء يتداعى لضعفٍ في بنائه لفقدنا أرواحاً حثّ ديننا على الحفاظ عليها. أدت القوة إلى وجوب وضع معايير لمواد البناء، وهي المسماة في عصرنا معايير الجودة، ومواصفات دقيقة لها، تعرف في عصرنا بالمواصفات القياسية، ثم إلى ظهور الرقابة على هذه الجودة وعلى دقة المواصفات، وكلاهما كان من طرفين، إما المحتسب الذي يمارس الرقيب أو من قبل أرباب الخبرة الذين تستعين بهم المحاكم لحسم الخلافات. الثاني؛ الجمال، فيفترض في المسلم أن يهتم بمظهره وملبسه لأن الإسلام دين جمال، ودين طهارة. ويدل على ما سبق أن الجمال مطلوب في البناء والعمران، كما هو مطلوب في الثياب وغيرها. وجمال البناء في تناسقه وترتيبه وفق عُرف الزمان والمكان ما دام أنه محمود في ذاته وغاياته. لكن ما هي الأطر الفكرية التي تحدد نظرية المعرفة في فقه العمران، أو بمعنى آخر ما هي مصادر المعرفة لبناء نظرية فقه العمران في الحضارة الإسلامية؟

الإطار الأول: هو السياسة الشرعية، وهي السياسة التي يتبعها الحاكم في المجال العمراني، سواء كانت تتعلق بالأمور السياسية العامة أو بالعمران مباشرة، وكلاهما يترك أثره على العمارة. هذا الإطار ذو بعدين؛ إطار عام يجدد مسؤوليات الحاكم وحدودها، وإطار تخصصي يحدد وظائف الحاكم في المجال العمراني، وكلاهما بيَّنته الكثير من مؤلفات السياسة الشرعية. لكن هذا الإطار له بُعد لا بد من تحديده، وهو مفهوم السياسة وأبعادها، فالسياسة تقوم على الفاعلية الحركية للحاكم، والتي يسعى من خلالها إلى تحقيق مصالح المحكومين، تنبه فقهاء السياسة الشرعية إلى ذلك، فذكروا بأن «للسلطان سلوك سياسية، وهي الحزم عندنا، ولا تقف على ما نطق به الشرع». ويعرف ابن نجيم الحنفي السياسة في «البحر الرائق»؛ «وظاهر كلامهم هنا أن السياسة فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرِد بها دليلاً جزئياً». الإطار الثاني هو فقه العمارة والمقصود به مجموعة القواعد التي ترتبت عليها حركية العمران نتيجة للاحتكاك بين الأفراد ورغبتهم في العمارة، وما ينتج عن ذلك من تساؤلات يجيب عليها الفقهاء مستنبطين أحكاماً فقهية من خلال علم أصول الفقه وقواعده وتراكم الخبرات. هذان الإطاران يقودان إلى أن هناك تراكماً معرفياً بدأ في المدينة المنورة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وازداد بمرور الزمن وتنوع مع التنوع البيئي للعالم الإسلامي الممتد من الصين إلى الأندلس، لكن هل هذا يعني أن كلا الإطارين ليست له مقاربات مع الأسس المعاصرة التي تسود حالياً في المجال العمراني العام؟ في حقيقة الأمر هناك مقاربة ولو نسبية: فالإطار الأول يتقارب بصورة أو بأخرى مع الدستور بالمفهوم المعاصر. أما الإطار الثاني، فهو أقرب إلى قوانين التخطيط العمراني والبناء في عصرنا. لكن المفارقات بينهما تنتج من طبيعة المعرفة وفلسفتها، فالدولة المعاصرة المركزية، تختلف في خلفيتها المعرفية والفلسفية عن الدولة الإسلامية، وهذا يجعلنا نستدعي من الخبرة الإسلامية طبيعة ممارسة السلطة في الدولة الإسلامية التي تنقسم إلى: سلطة الدولة: التي نراها في حفظ الأمن بإقامة الأسوار والقلاع وأبراج المراقبة، ومراقبة الحرف والصناعات، وشق الطرق الرئيسية وجلب المياه. سلطة المجتمع التي حددتها الممارسات المتراكمة، حتى إن الكثير من الوظائف قام بها المجتمع مثل التعليم والرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية. سلطة الفرد: هذه السلطة تحددها سلطة المجتمع، لكنها تقوم على احترام حرية الفرد المرتبطة بقيم المجتمع، والمبنية على الترابط الاجتماعي سواء عبر الأسرة الممتدة أو عبر روابط الحرف والصناعات. انعكس هذا كله على المجال العمراني مثل ترتيب الشوارع: الشارع العام؛ الذي تقع مسؤولية صيانته ورعايته مناصفة بين الساكنين فيه والدولة التي تكفل حق المرور للمجتمع في هذا الشارع. الشارع العام الخاص: الذي تزداد مسؤولية ساكنيه على غيرهم وتصبح تبعاً لذلك حقوقهم فيه أعلى، مع حفظ حق المرور منه لمن يكون طريقه إلى هدف يقصده. الشارع الخاص: الذي كانت بوابات الحارات علامة عليه، هنا تقف حدود سلطة الدولة، لتكون سلطة الفرد والمجتمع هي المهيمنة. ولأن الخصوصية في الشارع الخاص وحرية الفرد في الحركة أعلى، فإنه على عكس المدن المعاصرة، كان الأثرياء وأرباب السلطة يفضلون سكنى الشوارع الخاصة دون غيرها، هذا كله على عكس مدننا المعاصرة التي تعد الشوارع الرئيسية هي المرغوبة في السكن، من دون تحليل وفهم أهمية الخصوصية والحرية في السكن، كبعد معرفي في عمران المجتمعات الإسلامية يصبح من الصعب تفسير سبب سكن الحرفيين في الشوارع الرئيسية، بينما سكن جمال الدين الذهبي شيخ بندر تجار مصر في العصر العثماني في شارع أكثر خصوصية. هنا نستطيع أن نستقرئ البناء المعرفي في المجال العمراني، فالمجتمع يدرك فلسفة السلطة وتقسيماتها في الحضارة الإسلامية، وكيفية الإدراك هي الفعل المعرفي الحقيقي، فالمجتمع لا يلجأ إلى الحاكم أو الوالي لحل مشكلاته، لكن إلى القاضي الذي لا يستطيع أيضاً أن يفصل إلا في ضوء سوابق تمثل تراتيب معرفية تتشكل من آلاف الأحكام السابقة، لكن إذا وقعت واقعة فيها التباس هنا لا مفر من القاضي إلا بالرجوع إلى أرباب الخبرة في مجال التخصص «كأرباب الخبرة المعمارية»، ومن هنا نرى الكثير من مؤلفات المعماريين، وأسماؤهم تبرز لنا في المجال العمراني، فلولا هذا الاحتكاك لما قرأنا ولما كُتِبَ مؤلفُ ابن الرامي «الإعلان بأحكام البنيان»، وغيره من المؤلفات، بل إعادة تركيب علم فقه العمران وأبعاده المعرفية تتطلب الغوص داخل سجلات المحاكم الشرعية في مدن القاهرة والجزائر والقدس وفاس وإسطنبول وغيرها، لأن السجلات بين المتخاصمين في المجال العمراني تشكل ما يمكن أن نسميه الوعي بفكرة «الحق» أو «الحقوق» المترتبة على حركية العمران في المجتمع، هنا تبرز فكرة هل العمران والتخطيط العمراني والعمارة أفعال ثابتة أم أنها متغيرة، وفق مقتضيات الزمان والمكان معاً، في حقيقة الأمر إن هناك آلاف الأحكام في سجلات المحاكم الشرعية تكشف عن حراك دائم وتطور حتى في استنباط الأحكام بل انعكاس لتطور البناء وتقنياته عبر العصور، إن البعد البيئي ومعطياته له أثر في تنوع البناء وأحكامه، لذا نرى أحكام فقه العمارة كالفسيفساء المنسجمة الألوان والتراكيب في لوحة تخطف الأنظار لانسجام كل شيء فيها بلا خلل، لذا فإن كل أمر مرده إلى أن القاعدتين اللتين أسس عليهما علم فقه العمران كانتا من المرونة بما يسمح بهذا البناء المعرفي الذي كان يتطور بلا توقف. هاتان القاعدتان هما الآية القرآنية في سورة الأعراف، القاعدة الأولى: «خذ العفو وأمراً بالعرف واعرض عن الجاهلين»، وتفسير العرف في هذه الآية بالنسبة لأحكام البنيان بما جرى عليه الناس، وارتضوه ولم يعترضوا عليه، مادام لا يتعارض ذلك مع القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، لأن العرف والعادة أصل يرجع إليه في التنازع إذا لم يكن أصل يرجع إليه، واتفق فقهاء القانون على تعريف العرف بأنه مجموعة القواعد التي درج الناس على اتباعها جيلاً بعد جيل واحترموها، وتأتي قوة العرف من أمرين: الأول: هو العنصر المادي، وهو توارث العادات والتقاليد، الابن عن الأب عن الجد، والأمر الثاني: العنصر المعنوي، وهو التخوف من مغبة العقاب في حالة مخالفة أحكام العرف. هنا يعتبر العرف من أهم مبادئ التشريع التي يلجأ إليها المجتهدون في إجراء الفقه على الواقع في كثير من المجالات كالأحوال الشخصية، وأبواب المعاملات وغيرها، وبتتبع مباحثهم في العمران وجدناهم معتمدين على هذه القاعدة أشد الاعتماد خاصة بين المتخاصمين على الحقوق الارتفاقية. هنا نستطيع أن نتحدث عن العرف الذي هو في حقيقته المعرفة الكامنة في العقل الجمعي للمجتمع، ليكون متداولاً بين الفقهاء والقضاة والمجتمع على أنه الشيء المألوف الذي تتلقاه العقول السليمة بالقبول، وقيل: هو ما تتابع متصلاً بعضه ببعض وسكنت النفوس إليه. القاعدة الثانية: هي «لا ضرر ولا ضرار»، وهي حديث نبوي شريف، وهو أحد الأحاديث الخمسة التي يقوم عليها الفقه الإسلامي. احتلت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» باباً واسعاً في فقه العمارة الإسلامية، وعليها قامت أحكام لا حصر لها. الضرر والضرار كلمتان بمعنى واحد وردتا لتأكيد المعنى، وعند إعرابهما يتضح أن الضرر الاسم والضرار الفعل، فقوله عليه السلام: «لا ضرر»، أي لا يدخل على أحد ضرر وإن لم يعتمده، وقوله «لا ضرار» أي لا يضر أحد بأحد. إن كل ما سبق يقودنا إلى ربط نظرية فقه العمران بالمعرفة، فالنظرية ذات طبيعة منهجية تقود إلى خطوات وتقنيات بناءً على عقيدة أو وجهة نظر والمنهج وكلاهما متكاملان، لهذا فإن هذه الدراسة تهتم بالنسق الذي بنيت عليه هذه النظرية من الناحية المعرفية، وكيفية تتابع ما يترتب عليه خطوة خطوة لكي يؤدي ذلك في النهاية إلى طرح سلسلة من الأسئلة المتتالية تبدأ بها التي من المفترض أن تجيب عن أسئلة مثل: هل كانت المدن الإسلامية مخططة أو عشوائية؟ هل لدينا فلسفة صاغت البيئة العمرانية الإسلامية؟ وهل للابتكارات في العمارة الإسلامية أسباب فقهية؟ هل صيغت القواعد التي حكمت هذا العمران بصورة منظمة أو عشوائية؟ هذا يدعونا إلى استدعاء قاعدتين؛ الأولى هي إحياء الموات. يعرف الماوردي الموات بأنه ما لم يكن عامراً ولا حريماً لعامر، وإن كان متصلاً بعامر. وقال الشافعي: «بلاد المسلمين شيء عامر وموات، فالعامر لأهله كل ما صلح به العامر، إن كان مرفقاً لأهله، من طريق وفناء، ومسيل ماء أو غيره، كالعامر في ألا يملك على أهله إلا بإذنهم، والموات هي الأرض الخراب الدارسة». وعند المالكية الموات هي الأرض التي لا مالك لها ولا يُنتفع بها، وظاهرة الإحياء هذه ترتكز على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «العباد عباد الله والبلاد بلاد الله، ومن أحيا أرضاً ميتة فهي له». والإحياء بالبناء يوجب اكتمال الشخصية البصرية للمبنى وإظهارها وديمومة وظيفته، أي إبقاؤه صالحاً للاستعمال للحفاظ على المنفعة المرجوة من هذه الإحياء، التي هي جزء من عملية التنمية، وبهذا تصبح الأرض وما عليها ملكاً للمحيي لا تحول عنه إلا بإذنه عند الشافعي. ترتّب على ما سبق نشوء مبدأ «حيازة الضرر» الذي يعني أن من سبق في البناء يحوز الكثير من المزايا التي يجب على جاره الذي يأتي بعده، احترامها. تسمى هذه المزايا حقوقاً مترتبة، وهذا ما أدى إلى صوغ حدود شوارع المدن الإسلامية وأدى إلى تنوع الأشكال في واجهات المنازل وغيرها من المنشآت، وهذا كله يعد مدخلاً لفهم المدن الإسلامية وتخطيطها وعمارتها.