عصب دماغي «نادر ومنتشر» يذكّر بإنجاز الأعصاب البديلة

واشنطن - «الحياة» |

قبل أيام قليلة، نشر الموقع الإلكتروني لمجلة «ساينس» العلمية المرموقة مقالاً مطوّلاً عن اكتشاف علمي لا يخلو من الغرابة، أقله في الظاهر. إذ أورد أن فريقاً علمياً دولياً اكتشف عصباً جديداً في دماغ البشر يشبه زهرة بريّة مشتعبّة مع زرّ ثقيل في وسطها، ويتميّز بأنه نادر في تركيبته بالمقارنة بالأنواع الأخرى من أعصاب المخ، لكن يعتقد أيضاً بأنه موجود لدى البشر كلهم! ولاحظ المقال أيضاً أن العصب المتشعب الشكل لا نظير له لدى الفئران، وهو أمر ليس شائعاً تماماً. لعل الأمر الأخير يثير الابتسام، ولكنه من الأخبار التي تحفز على التفكير في مساعي العلم لسبر أغوار الدماغ العصبي للبشر، خصوصاً محاولة تقليد وظائفه عبر الذكاء الاصطناعي، وكذلك محاولة تصنيع «بدائل» اصطناعيّة عن الأعصاب الطبيعية، تستطيع الحلول محلها والنهوض بالمهمات التي تؤديها.


ليس الحديث عن أعصاب اصطناعية مبالغة، وليس مصطلحاً يستعمل على سبيل التشبيه أو المجاز. إذ يعرف متابعو الشأن العلمي أن عصر الأعصاب الاصطناعيّة البديلة ابتدأ فعليّاً منذ سنوات قليلة.

وكذلك لا أقل من القول إنها تمثّل آمالاً لا تكف عن مراودة أدمغة ملايين المشلولين بأثر من انقطاع الأعصاب التي كانت تحرّكهم، خصوصاً الحبل الشوكي. واستطراداً، من المستطاع التفكير بأن الأعصاب الاصطناعية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المتخصصين في «مدينة سلطان بن عبد العزيز للخدمات الإنسانيّة». وتذكيراً، تحقّق ذلك البُعد العلمي عبر قفزة نوعيّة في الرقاقات الإلكترونيّة القادرة على «التخاطب» مع أعصاب الإنسان مباشرة.

واستطراداً، ليس جديداً أبداً صنع رقاقات تستطيع أن تتفاعل مباشرة مع أعصاب الإنسان، التي تنجز عملها عبر تناقل إشارات كهربائيّة في ما بينها، سواء تعلق الأمر بتحريك عضلات أو نقل إحساس أو حتى الأفكار التي تدور في الدماغ.

وطري في الذاكرة أنه مع مطالع العام 2015، حدث اختراق علمي أساسي في الأعصاب الاصطناعية، وظهرت بواكير تلك التراكيب المتطورة على يد الفريق العلمي السويسري- الأميركي الذي قادته البروفسورة ستيفاني لاكور، وهي اختصاصيّة «بيو- إلكترونكس» من «المعهد الفيديرالي السويسري للتكنولوجيا» في «لوزان».

وآنذاك، تمثّل ذلك الاختراق في صنع رقاقات إلكترونيّة تستطيع نقل الإشارات العصبيّة من دون تشويش، بفضل اندماجها السهل مع الأعصاب والأنسجة الحيّة. وعلى غرار الرقة المعروفة في هوية الكائن الإنساني النسائي، تتميّز تلك الرقاقات بالنعومة، بمعنى أنها لا تُحدِث ردّ فعل في الأنسجة الطبيعية، بل إن الأعضاء الحيّة تتعامل مع تلك الرقاقات كأنها نسيج بيولوجي حيّ. النتيجة؟ صنعت لاكور وفريقها الدولي رقاقات لدنة، من المستطاع استخدامها في علاج ما يصيب الأعصاب، بداية من انقطاع تواصلها ووصولاً إلى تلفها بأثر الأمراض.

وصل ما انقطع

بقول آخر، تستطيع تلك الرقاقات حاضراً أن تصل ما انقطع من الاتصالات العصبيّة، على غرار أن تزرع في منطقة انقطاع استمرارية العصب في الحبل الشوكي (وهو أمر يحدث في الحوادث وإصابات الحروب).

وفي الأفق أنه من المستطاع استخدام الرقاقات الناعمة عينها، كي تزرع في الدماغ بديلاً من الأعصاب التالفة. إذا زرعت في أمكنة مناسبة، تستطيع أن تحل بديلاً من الأعصاب التي تتولى تنظيم الحركة الجسدية، إذا ما تضرّرت بسبب مرض كـ «باركنسون».

في أفق أبعد، ربما عوّضت أعصاباً في مناطق التفكير والنطق والذاكرة، فتكون علاجاً لأمراض مستعصية كـ «آلزهايمر».

ليس ما صنعته يد المرأة المعاصرة هيّناً، بل إنه اختراق يفتح عصر الأعصاب الاصطناعيّة البديلة. ولأوقات طويلة، عانت بحوث الرقاقات البديلة للأعصاب من مسألة رفض الأنسجة الحيّة لها. واستطاعت لاكور وفريقها التغلّب على تلك الصعوبة، بالاستناد إلى تقنيّات النانوتكنولوجيا. وبفضل تلك التقنيّة، صنعت رقاقات من مزيج البلاتينيوم مع السيليكون، وتولّت أسلاك «نانو الذهب» الربط بينها.

وزرعت تلك الرقاقات «الأنثوية» في منطقة انقطاع الحبل الشوكي في فئران مشلولة، فنهضت ومشت. وانتظرت لاكور 6 أسابيع كي تتأكد من عدم حدوث رد فعل في الجسم ضد رقاقاتها، قبل أن تعلن نجاح تجربتها عبر بحث نشرته مجلة «ساينس» العلميّة المرموقة.