التلفزيون وسيطاً لتحقيق العدالة: معادلة لبنانية تشي بفقدان الثقة بالدولة

عن (Mediascitoyens.org)
بيروت – رنا نجار |

أمر معيب وخطير أن يفقد المواطن اللبناني ثقته بدولته وبمؤسساتها، ويلجأ إلى شاشات التلفزيون لتكون الوسيط بينه وبينها، حتى وإن لم تحرّك ساكناً! فقد أفرغ عشرات المواطنين اللبنانيين أول من أمس، جام غضبهم أمام شاشات التلفزيون المحلي، معترضين على ما حصل في مطار رفيق الحريري الدولي من تأخير للرحلات لأكثر من 12 ساعة بسبب تعطّل النظام الخاص بالحقائب، ما اضطر المسافرين إلى الانتظار ساعات طويلة محشورين في الأروقة كأنهم حشرات لا أحد يهتمّ لأمرهم. وأول ما لجأ اليه المسافرون هو الإعلام علّه يعلي الصوت في وجه المعنيين لحل هذه المعضلة التي عطّلت الناس عن مشاغلهم وحرقت أعصابهم ومنعتهم من الوصول إلى بلدان إقامتهم وعملهم، عدا عن الإرهاق الشديد الذي أصاب كبار السن والأطفال.


وكانت شاشات التلفزيون كحائط المبكى، يصرخ من خلالها المواطن ليشتم الدولة ويطالب بالمحاسبة ثم يعلن «استقالته» من لبنانه وعدم العودة مرّة أخرى إلى البلد الأم الذي «لا يُحسن حتى الاستضافة»، كما قال أحدهم والعرق يتصبّب منه عبر إحدى الشاشات.

انتهت المسألة مساء أول من أمس، لكن على الأرجح أن أحداً من المواطنين الذين علقوا في المطار لم يتقدم بشكوى أو بدعوى قضائية يطالب فيها بمحاسبة المسؤولين عن هذا الخطأ الفظيع، وبالتالي بتعويضه كل هذا الوقت الذي هدر والتوتر والأضرار التي لحقت به. فقد تعوّد الناس أن يوكلوا مهمة المحاسبة إلى الإعلام، وأن يفرّغوا غضبهم على الشاشات، وبعدها السلام.

والإعلام أحياناً يلاحق وأحياناً يدخل في متاهة تغطية الاحداث اللاحقة وينسى السابقة! فهو وسيط يلعب دوره في شكل مهنيّ، وإن تمادى في غالبية الأحيان واستثمر حدثاً ما أو قضية ما، فبهدف الـ «رايتينغ».

يقول المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، إن «المجتمع يحتاج دائماً إلى وسيط كي يربط بين المجرد والمحسوس، بين العالي والمنخفض، بين التعالي والأمور اليومية»، لكن أن يصبح المواطن اللبناني يحتاج إلى وسيط لتطبيق العدالة فهذا أمر خطير ومخيف يدلّ حتماً على انهيار الدولة قبل كل شيء.

درجت العادة منذ سنوات ليست قليلة، أن يلجأ لبنانيون، وخصوصاً النساء، إلى التلفزيون وبرامجه «لحلّ» مشكلاتهم، لا سيّما منهاالقانونية، والتي عادة هي من اختصاص القضاء أو الشرطة. فبعد أن يطرق المواطن أبواب الدولة بمؤسساتها المعنية، وييأس من البيروقراطية والفساد، ولا يصل إلى من يناصره، يلجأ إلى الإعلام، علّه إذا طرح قضيته على الملأ يكون صاحب سلطة قوية وعاجلة ويوصله بالمعنيين الأساسيين الذين من المفترض أن يكونوا مطلعين على ملفه قبل الصحافيين، ومن المفترض أن تكون سلطتهم كرجال دولة ومؤسسات أقوى من أي سلطة على اعتبار أنهم يطبقون القانون.

فكمّ من امرأة لجأت إلى التلفزيون ليسمح لها القضاء برؤية أولادها، أو حضانتهم؟ وكم من فتاة أو سيدة لجأت إلى هذا الوسيط الذي يستغل في كثير من الأحيان مأساة الناس ويستثمر قضاياهم لمصلحة «الرايتينغ»، كي تطلب المساعدة وتحريرها من العنف الأسري؟ وكم من أم ثكلى لجأت إلى التلفزيون لتطلب من القضاء والدولة أن تحرّك ملف قتل ابنها أو ابنتها؟ وكم من مظلوم طرق باب الشاشة الصغيرة وأفشى كل أسراره عبرها وفضح نفسه أمام الملأ وعرّض حياته للخطر، كي يلقى آذاناً تسمعه وكي يجد من يُساند قضيته؟ وكم من فقير أُذل على الشاشات ليستعطف الدولة وأصحاب النفوذ لتأمين لقمة عيشه أو مسكن يؤويه وأولاده؟...

الحالات لا تُعدّ ولا تُحصى، كل ذلك والدولة صمّاء لا تُصغي، مستقيلة من دورها وتنتظر من يقوم بدورها ثم تستفيق ويتصل أحد وزرائها أو نوابها أو موظفيها مباشرة على الهواء ليستثمر هو الآخر قضايا الناس، ويعد بحلّ المشكلة على الهواء.

لا يخجل رجل الدولة هذا من الاتصال بالتلفزيون أمام الشعب اللبناني، لأن هذه القضية التي تعني إدارته مباشرة مقصّرة بعملها أو لا تعمل في الاصل. وهو لا يخجل من فشل إدارته وعدم معرفته بقضايا تهزّ الرأي العام كان عليه أن يعالجها قبل أن تصل إلى التلفزيون! هو لا يخجل والمواطن لا يحاسب لماذا وصلت هذه القضية إلى هذا الحدّ من الاهمال، ولا الدولة تحقّق من سرّب هذه القضية إلى التلفزيون ولماذا لم تعالج في إدارتها المختصة! ثم لا أحد يتابع، حتى التلفزيون غالباً، ماذا حلّ بهذه القضية، وهل فعلاً عالجها «الشهم» الذي انتفخت أوداجه فقط عبر الهواء المباشر، ثم عادت ونفّست بعدما انتهى البرنامج!

لقد شهدنا اختراقات كثيرة للقانون على الهواء مباشرة، كان هذا الوسيط الإعلامي يقوم بها بنفسه وهو لا يدري خطورة ذلك، ويقدم نفسه على أساس أنه الوسيط، لكنه يتحوّل إلى وصيّ وقاضٍ ووال ووزير وشرطي... ففي حالات كثيرة شهدنا المذيع مثلاً يتصل بالشرطة مباشرة على الهواء لتلقي القبض على مجرم! أو يتّفق مع الشرطة ليصوّر مجرماً بالجرم المشهود وهي تلقي القبض عليه! أو يسلّم طفلاً لأمه كان أبوه خطفه منها... كل ذلك على الملأ من دون احترام خصوصيات الناس ولا حرمة بيوتهم ولا إخفاء هوياتهم أو وجوههم... منذ متى كان المذيع يقوم بدور رجال الدولة ومؤسساتها؟ أليست هذه قضية بحدّ ذاتها تستحق التحقيق فيها والمحاسبة؟

يلفت النظر تقرير بثّ أخيراً، على رأس نشرة أخبار شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال «LBCI»، عن فتاة خطفها والدها وسجنها لأنها تحب رجلاً من دين غير دينها. القناة عرضت القضية من دون أن تُسمي أي اسم أو تفضح أي شخص، لا المتورط ولا الضحية.

وعندما لجأت الصبية عبر صديقتها إلى القناة بدل أن تلجأ إلى الدرك لتختصر الطريق، لم تصور المحطة الفتاة ولم ترسل كاميرا إلى مكان احتجازها، مع أنها كانت تعرفه جيداً، بل لجأت فوراً إلى جمعية «كفى عنف واستغلال»، التي اتصلت بدورها بالشرطة المختصة عبر محاميها، ثم حرّرت الشرطة الفتاة من دون بث أي صورة لها أو مقابلتها، وذلك طبعاً لأجل حمايتها والحفاظ على خصوصيتها.

وبهذه الخطوة، نجح التقرير في تحويل هذه الحادثة قضية رأي عام، خصوصاً أن الزواج المختلط لا يزال يسبب مشكلات اجتماعية عدة في لبنان بغياب إقرار الزواج المدني.

كما نجح بلعب دور الوسيط من دون أن يتعدى على دور الدولة التي وضعها في مكانها لتتحمل المسؤولية، من دون أن يخترق اي قانون ولا حتى خصوصيات الناس.

لم نعلم ماذا حلّ بالفتاة بعدما حرّرها عناصر الدرك وبقيت في عهدتهم. لكن يبقى أن لجوء الفتاة وصديقتها إلى التلفزيون وليس إلى الشرطة هو بحدّ ذاته استخفاف بهيبة الدولة.