توسّعات البنى التحتية وأخطار الفساد

بيروت - «البيئة والتنمية» |

يشهد العالم توسعات غير مسبوقة في البنى التحتية، يرتبط جزء كبير منها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة. ومن المتوقع إنفاق عشرات ترليونات الدولارات في الطرق السريعة والسكك الحديد ومنشآت توليد الطاقة والموانئ والمطارات وغيرها بحلول عام 2030.


ومع ارتفاع معدلات الفساد عالمياً، فإن مشروعات كثيرة لن تراعي متطلبات حماية البيئة، ما ينذر بأن تتحول إلى موجة تسونامي تسحق في طريقها النظم الأيكولوجية الأكثر غنى في العالم. لكن هذه الموجة تصطدم حالياً بصحوة أصحاب القرار في أكثر من مكان، ولعل ذلك في مصلحة الطبيعة والإنسان على حد سواء.

تراجع في تنفيذ المشروعات الكبرى

تتجه الحكومة الماليزية إلى إلغاء المزيد من مشروعات البنى التحتية التي تنفذ في إطار المبادرة الصينية المعروفة باسم «حزام واحد، طريق واحد». وكانت حكومة مهاتير محمد أمرت خلال الأشهر الثلاثة الماضية بتعليق العمل في عدد من مشروعات خطوط النفط والغاز والسكك الحديد التي تصل كلفتها إلى 50 بليون دولار، وتموّل من خلال القروض الصينية.

ومن المتوقع ألا تكون الخطوات الماليزية المتسارعة النكسة الأخيرة لمشروعات البنى التحتية الضخمة التي تمولها الصين. فبعد انتخاب نجم الكريكت السابق عمران خان رئيساً للوزراء في باكستان، وهو البلد الذي حصل على قروض صينية لتنفيذ ميناء ومحطات للطاقة ومشروعات أخرى تبلغ قيمتها 60 بليون دولار، ينتظر أن يتوقف جزء كبير من هذه المشروعات. ففي باكستان، كما في ماليزيا، حامت الشكوك حول استغلال المشروعات الكبرى لسرقة الأموال العامة من شبكات يتشارك فيها مسؤولون حكوميون مع القطاع الخاص.

وعلى عكس المرونة التي تبديها في دعم تنفيذ البنى التحتية لطريق الحرير الجديد، تقف الصين في موضع المواجهة مع دول كثيرة في جنوب شرقي آسيا في شأن الجزر والشعب المرجانية في بحر الصين الجنوبي، وما يتضمنه من مناطق صيد غنية ومكامن وقود أحفوري. ويبدو أن الطموحات الصينية العابرة للقارات، وما يطاولها من شبهات فساد، ساهمت في تعزيز الوعي الرسمي حول الأخطار العميقة على الاقتصاد والبيئة التي تتضمنها مشروعات البنى التحتية الضخمة.

تبلغ قيمة مبادرة «الحزام والطريق» 8 ترليونات دولار، وهي تضم نحو 7000 مشروع للبنية التحتية والصناعات الاستخراجية في 70 دولة في الأقل، تمتد من الصين إلى جنوب المحيط الهادئ مروراً بآسيا وأفريقيا وأوروبا. ويأتي القرار الماليزي خلال فترة حرجة يتباطأ فيها الاقتصاد الصيني ويغرق في الديون في شكل متزايد، بينما تواجه مشروعات كثيرة تقودها الصين، التعثر.

ولا يقتصر الأمر على الحزام والطريق، فخطط كثيرة تهدف إلى تغيير وجه الأرض تصطدم بعوائق رئيسية، كما هي الحال بالنسبة إلى «ممرات التنمية» الضخمة في أفريقيا التي تشمل عشرات المشروعات الأساسية في مجالات الطرق والسكك الحديد والطاقة، ومبادرة تكامل البنى التحتية الإقليمية في أميركا الجنوبية.

ويُعد التوسع غير المضبوط في البنى التحتية العامل الأبرز في اضطراب النظم البيئية، لا سيما في البلدان النامية التي تشهد تخطيط أو تنفيذ نحو تسعة أعشار المشروعات الجديدة. وبفعل البصمة البشرية المتزايدة، فإن 70 في المئة من الغابات حول العالم أصبحت الآن على مسافة تقل عن كيلومتر واحد من الطرقات أو المساحات المكشوفة.

وتشير دراسة نشرتها دورية «إيلسيفير» المخصصة للحفاظ على الأنواع إلى أن نصف مناطق التنوع الحيوي المهددة في العالم بات يحتفظ بما نسبته 3 إلى 10 في المئة فقط من موائله الحيوية بعد أن طاولتها أيدي البشر. وتتراجع أعداد الأنواع البرية على نحو مستمر، خاصة في المناطق المدارية، في حين تشهد رقعة الأراضي المحمية تقلصاً وانحساراً سنةً بعد سنة بسبب السكن العشوائي وقطع الأشجار والصيد غير الشرعي.

الطرق هي أكثر أنواع البنى التحتية انتشاراً، وإشادتها يعني عادةً إطلاق سلسلة من المشكلات البيئية تبدأ بتغيير استخدامات الأراضي وزيادة فرص الحرائق، ولا تنتهي بتجزئة الموائل. ويُذكر أن 95 في المئة من حوادث تدمير الغابات في حوض الأمازون كانت في نطاق 5.5 كيلومتر من محاور الطرق. وفي حوض الكونغو، ساعدت الطرق صيادي العاج في إبادة ثلثي أعداد الفيلة خلال العقد الماضي.

الفساد عامل حاسم

في مقابل التكاليف البيئية الباهظة، غالباً ما تتضمن مشروعات البنى التحتية الضخمة أخطاراً أخرى لا تعد ولا تحصى، وأغلبها غير منظور. وتشكل الأخطار المخفية خللاً في عملية الاستثمار، حيث تصبح الموازنة بين الأخطار المالية وعوائد الاستثمار أمراً صعب القياس. ويعتبر الفساد من أهم المشكلات المخفية المتكررة، إذ يضع تنفيذ المشروع واستمراره بأيدي مجموعة من أصحاب القرار النافذين.

ويرفع المسؤولون شعار «التخفيف من حدة الفقر» في وجه المعترضين على تنفيذ مشروعات البنى التحتية الضخمة، على الرغم من أن البنك الدولي يعتبر هذه المشروعات «أداة غير حاسمة» لمساعدة الفقراء. فيما يُلاحظ أن عوائد مشروعات كثيرة ضخمة تنتهي غالباً في جيوب عدد محدود من سماسرة الطاقة ومضاربي الأراضي، ولا ينال مجمل الناس في منطقة هذه المشروعات منافع معتبرة. وتؤدي تأثيرات الفساد، وما يرافقها من تراجع الثقة في المؤسسات العامة والخاصة، إلى جعل الكثيرين يعيدون التفكير في جدوى استثمارات البنى التحتية الضخمة، بما فيها المشروعات التي كانت واعدةً للغاية. في بابوا نيو غينيا، مثلاً، جرى الترويج لمشروع خطوط أنابيب الغاز المسال الذي تبلغ كلفته 19 بليون دولار، على أنه منقذ لاقتصاد الأمة. لكن التقارير الأخيرة وصفت المشروع بأنه فشل تنموي بالكاد يوفر عائداً بسيطاً في فرص العمل والنمو الاقتصادي والإيرادات المالية.

وعلى الأرض، تتصاعد الاضطرابات الاجتماعية والعنف في أقاليم السكان الأصليين في محيط مشروع الأنابيب الذي يبلغ طوله 700 كيلومتر، وتهدد بعض المجموعات بإغلاق منشآت منطقة المصب. هكذا تحوّل مشروع الغاز المسال، بالنسبة إلى المستثمرين وشعب بابوا نيو غينيا، إلى عمل خاسر تنتج منه مشكلات بيئية كبيرة، في دولة يتم إفساد مناطقها الاستوائية الواسعة من خلال قطع الأشجار والتعدين والنشاطات البشرية الأخرى.

وعلى الجانب الآخر من الكوكب، صُدم المستثمرون عندما قررت البرازيل أخيراً إيقاف سياستها المستمرة منذ عقود في بناء سدود الطاقة المائية في حوض الأمازون. علماً أن هذه السدود تنطوي على آثار بيئية واجتماعية خطيرة، بما فيها غمر الغابات، وتشريد الناس، وقطع الأشجار لتنفيذ الطرق الجديدة ومد شبكات خطوط الكهرباء، إلى جانب المضاربة في العقارات واتساع رقعة السكن العشوائي.

وبعدما كانت حكومة الرئيس البرازيلي ميشال تامر تصم الآذان عن فضائح مشروعات الأمازون، لم يعد لها من خيار سوى التوقف عن دعم هذه المشروعات، بفضل المقاومة القوية التي أظهرتها جماعات حقوق السكان الأصليين والتعثر الذي أصاب الاقتصاد البرازيلي.

وأدى الفساد، وما رافقه من توزيع عمولات غير قانونية، إلى تضخيم التكاليف وإفراغ مشروعات السدود من جدواها.

وفي المكسيك، دعا الرئيس المنتخب لوبيز أوبرادور إلى إجراء استفتاء عام حول إيقاف العمل في تنفيذ مطار مكسيكو سيتي الجديد الذي تبلغ كلفته 13 بليون دولار. ويعتبر الرئيس المقبل أن هذا المشروع مضيعة لأموال دافعي الضرائب، وهو غارق في الفساد، ويمثل كارثة بيئية كبيرة. فالمطار الجديد الذي يُنفّذ منذ ثلاث سنوات، يقع فوق حوض بحيرة شبه جافة توفر المياه للعاصمة المكسيكية وتحول دون غرقها بالفيضانات، كما تستضيف أسراباً من الطيور المهاجرة، وتعد موطناً لاثني عشر نوعاً من الأنواع الحية المهددة بالانقراض.

وإذا عدنا إلى الصين، فإن غالبية شركاتها لا تلتزم بالمعايير الدولية لحماية البيئة والمجتمع وضمان استدامة الديون. ووفقاً لتقديرات رسمية صينية صدرت العام الماضي، لم تقم 58 في المئة من الشركات الصينية العاملة في مشروعات الحزام والطوق بنشر أي تقرير عن المسؤولية الاجتماعية أو الاستدامة الاقتصادية. وتسعى الشركات الصينية الكبيرة ذات الأصول الدولية إلى إقرار مبادئ توجيهية لتحجيم مسؤولياتها، في حين تدعو الشركات الصغيرة إلى تبني أضعف الضوابط الممكنة.

في العام الماضي، أعلن علماء الأحياء عن اكتشاف نوع جديد من القردة الكبيرة في شمال سومطرة. هذا النوع الذي حمل اسم «تابانولي أورانغوتان» يضم 800 قرد فقط، وهو بذلك من أندر الأنواع الحية على وجه الأرض. وتتعرض هذه القردة إلى خطر جسيم بفعل تنفيذ مشروع للطاقة من شركة حكومية صينية يتضمن بناء سد وشق طرق ومد خطوط كهرباء، ما سيؤدي إلى تخريب الموئل الصغير الذي تستوطنه هذه القردة ويهدد بقاءها. وعلى الرغم من احتجاجات العلماء في جميع أنحاء العالم، استمر الصينيون وشركاؤهم الإندونيسيون في تنفيذ أشغال المشروع.

ولا تقتصر أخطار مشروعات البنى التحتية على مناطق التنفيذ، بل تطاول أماكن بعيدة جداً. فعلى سبيل المثل، يدخل الرمل في صناعة الخرسانة التي تعد المكون الرئيسي في مجمل مشروعات البنى التحتية، بما فيها الطرق والسدود والمطارات. ويجري تجريف الرمل من المقالع والسواحل وأحواض الأنهار، لأن رمل الصحراء ذو نوعية سيئة. خلال الأعوام بين 1994 و2012، ازداد إنتاج الإسمنت العالمي ثلاثة أضعاف، كما استخدم الرمل في مشروعات استصلاح الأراضي على نطاق واسع، لا سيما في دول جنوب شرقي آسيا.

وقد ألحق تجريف الرمل لتنفيذ مشروعات البنى التحتية ضرراً واسعاً في النظم الأيكولوجية البعيدة من مواقع هذه المشروعات. ففي إندونيسيا انخفضت كثافة مروج الأعشاب البحرية، وتراجعت أعداد سلاحف «تيرابين» النهرية المهددة بالانقراض في ماليزيا وبنغلادش والهند، ولحق الضرر موائل تمساح «غاريال» النادر في شمال الهند ودلافين نهر الغانج، كما أدى تجريف الرمل في نهر اليانغستي الأدنى إلى انخفاض كبير في مستوى المياه، ما أدى إلى خلل في النظام الغذائي للطيور المهاجرة في الصين.

في الأعوام الأخيرة، أظهر المستثمرون اهتماماً كبيراً بمشروعات البنى التحتية الضخمة، لكن البحث في التفاصيل كان يضعهم على الدوام أمام أخطار استثمارية كبيرة. فالنزاعات حول ملكية الأراضي كانت حجر عثرة أمام تنفيذ المشروعات الكبيرة في البلدان النامية، كما تواجه مشروعات النقل والطاقة التي تمتد آلاف الكيلومترات مقاومة اقتصادية وسياسية راسخة.

مع ضعف التخطيط الاستراتيجي لاستخدامات الأراضي، وعدم جدية تقييمات الآثار البيئية والاجتماعية، وتقلّب أسعار المواد، وتغيّر المد السياسي في الدول المضيفة، تصبح مشروعات البنى التحتية الضخمة مهددة بالفشل مالياً وبيئياً واجتماعياً.

ويبقى الحل في التوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، إذ لا يمكن رفع المستوى المعيشي للناس بالقضاء على الموائل والموارد الطبيعية التي تؤمن استمرار حياتهم واستدامة التنمية.