«جوهرة الذاكرة» للحاسوب تحقّق أحلاماً هوليووديّة

أحمد مغربي |

في عقد الثمانينات من القرن العشرين، أصدر المفكر الأميركي ديفيد شالمرز كتاباً عنوانه «العقل الواعي»، يلح فيه على خصوصية الوعي الإنساني. وبعد سنوات قليلة، رفض دانييل دانيت، وهو أستاذ فلسفة في «معهد ماساشوستس للتقنية»، مقولة شالمرز. ونشر كتاباً في 1991 له عنوان معبر «الوعي مُفَسّراً»، وانحاز فيه للقول بسقوط اللغز عن ماهية التفكير:» صحيح أن جمعاً من التفاصيل ما برح مستغلقاً، لكن أمر الوعي برمته تحول مجاميع من المسائل القابلة للحل».


تضرب المحاججة بين شالمرز ودانيت حول إمكان حل سر العقل، جذرها في كتاب ذائع الصيت، هو «مفهوم العقل»، ألّفه في العام 1949، جيلبيرت رايله، وهو أستاذ فلسفة في أكسفورد، حاجج فيه ضد المفهوم الديكارتي للعقل باعتباره «شبحاً في آلة» هي الدماغ. وحاول رايلة تحديد مفاهيم مثل العقل والوعي والخبرات المُدرَكَة، منحازاً إلى القول بأن التفكير عمل أصيل لأعصاب الدماغ، كما الحركة بالنسبة للعضلات، بمعنى أن الدماغ ليس مجرد أداة للعقل بل هو إياه.

تردّنا العبارة إلى فيلم «زاردوس» (1973) لجون بورمان، حيث يتمرد شون كونوري على جنس بشري متطور يسترشد أناسه بألماسة «تحمل» الوعي إليهم نطقاً، إذ «تنقل» عن عقل أسمى وأشمل. ويُعمِل الإنسان المتمرد التفكير بجوهرته، ويرى أن أسطحها المتقابلة تعكس الضوء وتسترده في آن، فلو كانت المعلومات ضوءاً لوجدت في الجوهرة مكاناً لإنهاء الاتساع والزمن. تذعن «الجوهرة» للتفسير، وتقرّ بأنها العقل: هي إياه.

حلم بورمان السينمائي يكاد يجد له رديفاً اليوم في... مصانع الكومبيوتر، حيث يتم تطوير نوع من مُعامِلات المعلومات تعتمد على فارق الانعكاس الضوئي [= «هولوغرام» Hologram] بين الأسطح وسيلةً لتخزين المعلومات، ويفضي ذلك إلى قفزة كميّة ونوعية. تصدرت صورة ذلك النوع غلاف أحد أعداد «مجلة العلوم الأميركية» التي لقّبتها بـ «جوهرة الذاكرة»، إذ تقدر أسطحها الثلاثية الأبعاد، على خزن بلايين الصفحات في حجم مكعب من السكر، مع سرعة مذهلة في نقل المعلومات وانتقائها.

نوعياً، التقنية الضوئية تمكن من نقل المعلومات كـ «طبقات» متكاملة من دون الحاجة إلى تجزئتها بواسطة الدارات الإلكترونية. مثلاً، صورة الوجه تختزن كـ «طبقة» واحدة وثلاثية الأبعاد، وتمكن قراءتها ومقارنتها مع مئات عدة من الوجوه في عملية مفردة.