ما الذي يقوله «اختبار تورينغ»؟

(ويكيبيديا)
أحمد مغربي |

هناك رأي واسع مفاده أن التفكير هو عمل تلقائي وأصيل لأعصاب الدماغ وخلاياه كما أن الحركة هي نتاج عمل العضلات. إذا جرى تطوير كومبيوتر قادر على أداء عمليات فكرية مشابهة للبشر، هل نقول إن له «حياة داخلية»

وفي المقابل، يرى بعض علماء الذكاء الاصطناعي في الدماغ آلة للتفكير مكونة من أنسجة بروتينية... وأنه قابل للتقليد، كما سيرد بعد سطور قليلة.

ومرّة اخرى، يثير التطوّر العلمي أسئلة لإعادة فحص علاقات الإنسان بنفسه والكون حوله. أقصت ثورة كوبرنيكوس الإنسان عن كونه مركزاً للكون. وحملت تطورية داروين صدمة أقسى: الإنسان هو نتيجة تطوّر يبدأ بتحوّل اللاعضوي عضويّاً ثم تتكون وحيدات الخلايا والطحالب والفطر، تَنْسُل الأنواع وتتعدد، أحدها يتطور دماغه لينتج فكراً ولغة ويحوز هويته كإنسان. لا يفترض سياق النشوء والارتقاء الدارويني سوى كائنات بيولوجية تصنعها الاحتمالات اللامتناهية وقانون الصراع على البقاء. كذلك لا يقترح داروين أن الكائن الإنساني له خصوصيات، على غرار ما اقترحه ديكارت والغزالي وديهايين وغيرهم، مع ضرورة تذكر أن تطورية داروين استفزت دوماً المشاعر الدينية ومروحة واسعة من الاعتراضات الفلسفية والعلمية.


إذن، إنها عودة إلى الأسئلة الفلسفية القديمة إياها، خصوصاً السؤال عن الوعي والعقل.

هل تعقل الآلات؟

في ذلك السياق، لاحظ أستاذ الفلسفة في جامعة كاليفورنيا، البروفسور ديفيد شالمرز أن «اللغز يصبح أكثر تعقيداً... كلما تعمقنا في شأن الكومبيوتر، كلما بدا أمر الوعي أشد غرابة». كيف نقيس «وعي» الآلات؟ لربما استحوذ الشطرنج على اهتمام الرأي العام، لكنه ليس اختباراً معيارياً. هناك اختبار معياري فعلي ابتكره عالِم الكومبويتر البريطاني آلن تورينغ (1950) وفصّله في مقالة شهيرة في عنوان «هل تعقل الآلات»؟

ويعتمد ذلك الاختبار الذي عُرِف باسم مبتَكِرهُ، على محاورة بين مُحادِث إنساني وجمع من مجيبين مجهولي الهوية، بعض أولئك آلات وبعضهم بشر، ويحاول المتحدث التفريق بينهم. وبمقدار ما تخادع الآلات محدثها ويظنها بشراً، يمكن القول إنها «تفكر تفكيراً واعياً». هكذا على الأقل درجت البحوث على استعمال الاختبار. تورنغ نفسه توصل في مقالته إلى نقاط مهمة: «السؤال الأصيل عن قدرة الآلات على التفكير هو سؤال مجرد من أي معنى ولا يستحق النقاش... أعتقد أنه قبل انصرام القرن الحالي سيصل التعليم والوعي إلى مستوى يدور فيه الحديث عن آلات تفكر من دون أن يثير القول أي اعتراض جدي».