ذكرى صارت غابرة: انتصار البشر في الشطرنج المؤَتْمَتْ

(عن موقع «ستاتك باريد.كوم»)
أحمد مغربي |

في النقاشات عن المقارنة بين عقل البشر وعقل الآلة، يبرز كثيراً أن الآلات الذكيّة تفوقت على عقل البشر في مجالات يبرز بينها الشطرنج، خصوصاً عندما هزم البطل الأسطوري غاري كاسباروف أمام الكومبيوتر «ديب بلو» في العام 1997. ولكن، ربما يكون مجدياً العودة إلى زمن ما قبل تلك الهزيمة عينها.


في شباط 1996، واجه غاري كاسباروف، بطل العالم في الشطرنج، الكومبيوتر «ديب بلو» في مبارزة فكرة شدت إليها الأنظار، وبدا عقد الرهان فيها قائماً على ما هو أهم من المجد أو الشهرة أو المال. وقلب المواجهة تلك، بحسب قول كاسباروف نفسه بعد مباراته، هو «الدفاع عن كرامتنا كجنس بشري».

لعله كان جميلاً وضع الأمور في صوغ كهذا، لكن إذا ارتهنت كرامة الجنس الإنساني على إجادة لعب الشطرنج، فلربما يكون كثير منا «نذلاً» وأبعد من قدرة كاسباروف على الانقاذ! إذا سلّمنا فعلاً إنسانياً ما بعينه زمام حسم الكرامة الإنسانية وتمّت المواجهة مع الآلات في صدده، أفلا يكون أمراً نملكه جميعاً كبشر؟ فهل ينطبق الأمر على الشطرنج؟

وآنذاك، صحّ ما توقعه كاسباروف. وراقب العالم بلهفة إفلاته الصعب من الهزيمة أمام ذكاء الآلات، وزاد في ألق تلك المباراة التي باتت منسية، أنها صادفت الذكرى الخمسينية لاختراع أول كومبيوتر متكامل («إينياك» ENIAC) في 1946.

قوّة العضلات= صفراً!

مع انتقال البشر إلى موقع المهزوم دوماً أمام الكومبيوتر في الشطرنج، يمكن التفكير بأن الأمر يتعدى أن تلك الآلات أضحت أكثر قوة وقدرة على القيام بوظائف كانت وقفاً على البشر، من التحليل الاقتصادي إلى أعمال السكريتاريا والمكاتب إلى اللعب الراقي للشطرنج. لعل الأمر أقرب إلى إثارة أزمة هوية الكائن الإنساني. لم يُثِر الإنسان أن تجري السيارة أسرع مما يفعل، لا ولم يستفز أحداً أن الروافع ترفع أقوى مما تقدر عليه السواعد (ولا مباراة معها)، حتى الآلات التي تعمل بدقة اليد الإنسانية بل تفوقها كفاءة، لم تنل سوى صيحات الألم الاجتماعي والشكوى من البطالة والتغريب (نذكر هنا فيلم شارلي شابلن «الأزمنة الحديثة»). حلول الآلات محل الإنسان في مختلف وظائفه لم يضع ماهية الإنسان في الاختبار، فكأنها نوافل لا تطاول الجوهر.

لكن، ما أن انفجرت ثورة المعلوماتية وجازت الكومبيوترات ســـرعة الـضوء في سرعة تطورها، ما أن لامس الأمر مسألة التفكير والذكاء، حتى ثار نقيع الأسئلة المرّة: هل تفكر الآلات وتَعقِل؟ إن فعلت، فماذا تكون علاقتها بالإنسان؟ بل من نكون نحن حينها وما الذي يعطينا هويتنا الإنسانيّة؟