كيف ينظر علماء الكومبيوتر إلى «البداهة» ؟

أحمد مغربي |

عندما ظهر «اختبار تورينغ» في 1950، كانت الحواسيب في بداياتها الأولى. كم من آلات الكومبيوتر توصلت إلى اجتياز اختبار تورينغ حتى يومنا هذا؟ الإجابة: صفر. والاستنتاج الذي بات شائعاً لدى علماء الذكاء الاصطناعي أن أصعب الأمور على الكومبيوتر هي الأشياء العادية البسيطة. إذ تستطيع الحواسيب أن تبرع في لعب الشطرنج صاحب القوانين الميكانيكية والاحتمالات الرياضية، لكن يعسر عليها إجراء محادثة بسيطة أو المشاركة في لعبة عادية. لذا، درج الراحل مارفن مينسكي، وكان مختصاً في الذكاء الاصطناعي في «معهد ماساشوستس للتقنية»، على القول أن التحدي الأقصى الذي يواجهه هو إعطاء الآلات تفكيراً بديهياً. [تذكير، رأي ديكارت عن القدرة القبلية لعقل الإنسان، يشار إليه أيضاً بمصطلح «بداهة» A Priori].


هل الأمر أعمق قليلاً؟ تتداول الآلات المعلومات والأفكار (تخزّن، تستعيد، ترتب، تفتش...)، ويبدو كأن ذلك يشبه سريان المعلومات في الأعصاب الموجودة في الدماغ التي تؤدي مختلف العمليات المرتبطة بالتفكير الواعي، مثل مناطق النطق، التعرف إلى الكلمات، ربط الكلمات بالمعاني، ربط الصور بمعاني الكلمات وغيرها.

لكن دماغ الإنسان «يعي ويفهم» ما يفكر به، بمعنى أنه يتعرف إلى كنه المعلومات ودلالتها. هل تعي الآلات ما تتداوله من معلومات أو تعرف دلالة الأفكار التي تدور في داراتها المتكاملة ورقاقاتها الإلكترونيّة؟

حتى الآن، الجواب هو نفي قوي. وأهمية السؤال تبرز بوضوح عند تذكر أن محاكاة الدماغ الإنساني وتقليده يكاد يكون التيار الرئيسي بين علماء الذكاء الاصطناعي، والاكتشافات الطبية عن الدماغ وعلاقته بالتفكير تغذي بحوث تطوير ذكاء الكومبيوتر. [لذا، يتفاعل علماء الكومبيوتر بكثافة مع المختصين بالأعصاب كالبروفسور ستانيسلاس ديهايين].

ابحث عن الترابط

والأرجح أيضاً أن أحد الملامح الأساسية في عمل الدماغ هو التخصص والترابط، بمعنى وجود مناطق دماغية متخصصة في أداء قدرة معينة واحدة وجزئية- مثل قراءة الكلمات أو متابعة الأعداد. ويملك الترابط مناطق (Association Areas) متطورة، تؤدي إلى مضاعفة القدرات، ما يفسر جزئياً بعض انساق عمليات التفكير.

ويحاول مختصو الذكاء الاصطناعي تقليد ذلك بالتقنية المعروفة بالكومبيوترات المتوازية الربط (Parallel Computers) التي تجعل كل واحد من الحواسيب قادراً على إجراء عمليات حوسبة في كل الكومبيوترات المربوط معها في كل خطوة يؤديها هو بنفسه. ويقصد بذلك أنها تتيح لكل كومبيوتر الاستفادة من كامل قدرات كل الكومبيوترات في كل خطوة منطقية جزئية يقوم بها. ويعرف عن المختص الأميركي في الذكاء الاصطناعي دوغلاس لينات، عمله المتواصل منكب منذ عقد على نموذج الكومبيوتر، محاولاً «تقليد» الدماغ الإنساني عبر تجميع كل القواعد الممكنة التي تتدخل في طرائق فكر الإنسان وحياته ضمن نوع من الموسوعة الشاملة، لذا يلقب برنامجه بـ «سايك» CYC من لفظة «إنسايكلوبيديا» ENCYCLOPEDIA، ويعتمد في شدّة على تقنية الربط المتوازي للحواسيب.

إذن، هل تفكر الآلات؟ لا يجدر التسرع والاستخفاف. والأرجح أنها لم تفعل... ليس بعد! لكن تطورها إلى أخذ أمرها على محمل الجد.