«شوارع جحيم» للقضاء على ظاهرة التشرّد في بريطانيا

لندن - منال لطفي |

في ساعات الصباح الأولى ووسط الأقدام المتسارعة دخولاً وخروجاً من أحد محال «بوتس» في منطقة «تولوث» جنوب لندن، كان شاب مشرّد لم يكمل الـ20 من عمره، جالساً أمام المدخل وأمامه صندوق صغير يحتوي على بضعة جنيهات وبنسات يضعها العابرون مساعدة له.


وسط الأرض المبللة بالأمطار والجو البارد بعدما انخفضت الحرارة في الأسبوعين الأخيرين من آب (أغسطس) الماضي إلى 13 درجة مئوية، فضلت إحدى السيدات أن تشتري للشاب الصغير شطيرة ساخنة وفاكهة من «بوتس» بدلاً من أن تعطيه نقود. لكنه رفض بحسم أخذ الطعام، متسائلاً: «هل لديك نقود؟».

بعد أيام، اختفى الشاب من مكانه. وهذا عادي. فغالباً ما يعتقل كما يحدث لمئات من المشردين بلا مأوى في بريطانيا. «الاعتقال»، وإن ظهر كعقاب على «جريمة التسوّل»، بات أداة جديدة في أيدي السلطات للحدّ من ظاهرة المشرّدين، وهي ظاهرة تزايدت حدتها خلال العقد الماضي. ووفق آخر الإحصاءات، هناك أكثر من 300 ألف شخص في بريطانيا، أي ما يعادل واحداً من كل 200 شخص، يصنّف رسمياً مشرّداً استناداً إلى مؤسسة «شيلتر» الخيرية، غالبيتهم في العقود الثاني والثالث والرابع من العمر.

لكن الرقم الحقيقي وفق «شيلتر» أكبر من هذا بكثير، لأن الأرقام الرسمية لا تتضمن الأشخاص الذين يعانون ما يسمّى «التشرّد الخفي»، أي الذين ليس لديهم مكان يعيشون فيه أو يعيشون بلا مأوى ثابت، ولكن لا يُسجّلون رسمياً مشرّدين.

ولا يمكن زائر المدن البريطانية الكبيرة مثل لندن ومانشيستر وبرايتون وبرمنغهام ونيوكاسل وغيرها، عدم ملاحظة تزايد ظاهرة التشرد. وفي الفترة الأخيرة، باتت السلطات تلجأ إلى الحل الأخير الذي في متناولها، أي «اعتقال» كثيرين من هؤلاء بتهمة التسوّل، وإيداعهم مصحات وملاجئ مخصصة لعلاج الإدمان أو المشكلات العقلية، التي تتراكم مع تجربة الحياة في الشارع سنوات.

ووفقاً لآخر الإحصاءات، فإن لدى 86 في المئة من المشرّدين بلا مآوى أعراض مشكلات عقلية، بينهم 44 في المئة شخصت معاناتهم بالفعل بمرض عقلي، و41 في المئة يقولون أنهم يتعاطون مخدرات أو يتعافون من إدمانها. ويعود كثر من هؤلاء إلى الشارع مجدداً بعد تمضية شهور في المصحات والملاجئ الحكومية، فتعود السلطات إلى اعتقالهم، وبعد فترة يطلقون ليعودوا مجدداً إلى الشارع وهكذا دواليك.

يوضح مارتن، العشريني الذي بات أحد المعالم الثابتة أمام محل «بوتس» في تولوث، أن «النوم في الشارع أفضل من الحياة في تلك الملاجئ. إنها تصيبك بالاكتئاب وتضر بصحتك العقلية»، مشيراً إلى أن اكتئابه وقلقه منعاه من زيارة مراكز مساعدة المشرّدين وإيوائهم، حيث يمكن أن يكون النزلاء الآخرون «عدوانيين» أحياناً. وكان حاول البقاء في أحد تلك المنازل التي توفّرها الدولة للمشردين، لكنه لم يحتمل ذلك فترة طويلة، فغادرها وعاد إلى الشارع، لافتاً إلى أن المسؤوليات الجديدة المرتبطة بالعيش في المكان مع آخرين، والعمل في وظيفة وفّرتها السلطات المحلية من أجل كفالة نفسه وتوفير المصاريف الدورية من كهرباء ومياه وغاز، صعب تحمّلها. لذا، عاد إلى الحلقة المفرغة وهي التشرّد في الشوارع والتسوّل إلى أن يُعتقل، ثم يمضي فترة في السجن. وبين كرّ وفرّ يخرج ثم يعتقل.

وتستند الشرطة إلى قانون صدر عام 1824 يسمح لها باعتقال أي شخص يتسوّل في الشوارع، ومقاضاته. وهو القانون الذي صدر بعد حروب نابليون بونابرت مع إنكلترا. فبعدها، كان كثر من الجنود الذين عادوا من القتال مصابين بإعاقات دائمة، يقفون في الشوارع يتسوّلون عطف المارة ونقودهم.

وأظهرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، عندما كانت وزيرة للداخلية، حماسة لتطبيق القانون القديم للحدّ من ظاهرة انتشار التشرّد في الشوارع وما يرتبط به من ظواهر. لكن منظمات خيرية ومؤسسات للمجتمع المدني حذّرت من المبالغة في تطبيق القانون واعتقال غالبية المشرّدين بتهمة التسوّل.

ومع أن مارتن يشدد على أنه لا يؤذي أحداً، إلا أنه يشتكي من أن المجتمع إجمالاً أكثر قسوة عليه وعلى غيره من المشرّدين بلا مأوى.

ويوضح: «نعم، أنا عاطل من العمل وكنت ضحية لإدماني المخدرات وأنا في سن الـ16. لكن كثراً من غير المشرّدين يقعون للأسف ضحايا لمتاعب مماثلة، لكن يُحكم عليهم بالقسوة ذاتها أو يُنظر إليهم بدونية كما يُنظر إلى الأشخاص الذين بلا مأوى مثلي».

وربما تلك القسوة حيال المشرّدين متعلّقة بكيف تنظر لندن، أو أي مدينة كبرى أخرى، وسكانها إلى أنفسهم وإلى تأثير ظاهرة التشرّد في مجتمعاتهم، إذ إن شكاوى كثيرة ترد إلى الشرطة المحلية في منطقة تولوث ضد المشرّدين تتعلق بالصورة التي ينشرونها عن المكان، والمشاعر التي يخلقونها بحضورهم الواضح، وهي مشاعر غير مريحة للغالبية.

وتقول ليز مالكوم التي تعيش في تولوث منذ أعوام طويلة: «من المؤكّد أنني أتضايق عندما أرى مشرّدين في المنطقة التي أسير فيها كل يوم أو أتسوّق منها. فوجودهم يعني أن هناك خطأ ما في المكان. وعادة عندما يمكثون في منطقة فترة طويلة يكون هذا دليلاً على وجود أشخاص يبيعونهم مواد مخدرّة، وهذا يعني نسبة جريمة عالية، غالباً سرقات. وهذه كلها أنباء سيئة للمنطقة وسكانها». وتزيد: «عندما أدفع الضرائب، أتوقع أن توفّر لي السلطات المحلية منطقة آمنة أستخدمها من دون مخاوف. لكن عندما أرى مشرّدين يتسكعون هنا وهناك، أشعر بأن تلك المنطقة من المدينة لم تعد لي أو لأبنائي أو أحفادي. مشرّدون يختارون البقاء في الشارع على رغم أن السلطات المحلية تحاول توفير بدائل أخرى لهم. لكن وجودهم الدائم أمام المتاجر والمطاعم مع أمتعتهم ينتقص من حريتي وحقي في أن أستمتع بالمدينة من دون خوف أو قلق».

وبالنسبة إلى الشرطة الأمر ليس بمعضلة كبيرة. فاعتقال من هم بلا مأوى بتهمة «التسوّل» تحمي طرفي المعادلة. فمن ناحية، غالبية سكان المنطقة يشعرون إجمالاً بأن المكان أكثر أمناً عندما تتلاشى ظاهرتا التسوّل والتشرّد، ومن ناحية أخرى، تحد الشرطة عملياً من معدلات الجريمة المحتملة وتساعد المشرّدين على عدم إيذاء أنفسهم أو إيذاء الآخرين لهم، خصوصاً صغار السن منهم.

وتظهر الإحصاءات أن الغالبية العظمى من المشرّدين تستخدم النسبة الأكبر من نقود التسول في شراء مخدرات، وبالتالي اعتقال المشردين يساعدهم على الفكاك من الحلقة المفرغة للإدمان.

وطبقاً للفلسفة الجديدة التي تطبّقها شرطة لندن، فإن الهدف من الاعتقالات والسجن جعل الحياة في الشارع «جحيماً» إلى درجة تجبر من هم بلا مأوى على اختيار بدائل أخرى. وتوصي السلطات المحلية ومعظم المنظمات الإنسانية بعدم إعطاء المتسوّلين والمشرّدين نقوداً بسبب احتمالات استخدامها بطريقة قد تتسبب في إيذائهم.

وتحت عنوان «القتل بالشفقة» وفي إطار حملة وطنية، نشرت السلطات تحذيرات في مناطق إنكليزية عدة من أن الجمهور إذا أعطى متسوّلاً مالاً، يساعده على قتل نفسه بشراء مواد مخدّرة. وكان للحملة تأثير إيجابي، فكثر لا يحبّذون إعطاء مساعدات نقدية لأنهم لا يعرفون كيف ستنفق أو حتى لمن ستذهب في نهاية المطاف. فمنذ الأزمة الاقتصادية 2008 واستقطاعات الحكومة من برامج الرعاية الصحية، والدعم الاجتماعي، والشرطة، تزايدت الجريمة على أشكالها في بريطانيا ونشطت في شكل لافت عصابات التهريب التي تجبر المهاجرين غير الشرعيين على التسوّل في الشوارع.

بالتالي، بينما يفكّر مارتن في مصارعة البقاء يوماً بيوم في شوارع لندن، فإن السلطات تريد أن تجعل الشوارع «أكثر قسوة وأقل ترحيباً» من أي وقت مضى، على أمل أن يتخذ هو وغيره قراراً أخيراً أن الحياة في جحيم تلك الشوارع، ليس أفضل من ملاجئ الدولة ومصحاتها.