عجائب الـ «سابلايز» في عام دراسي جديد وضغط اقتصادي

القاهرة – أمينة خيري |

يظن بعضهم أن الأصوات المتصاعدة خلف أبواب البيوت الموصدة محورها المذاكرة أو النوم المبكر أو التنازل الطوعي عن وسائل الاتصال العنكبوتية. لكن الأمر ليس كذلك! فقد انتهت معركة النفقات المدرسية بعدما سددت بطريقة أو بأخرى، وحسم البنات والأبناء أمرهم من مسألة النوم المبكر، فكم من جسد استلقى في الفراش وعينا صاحبه مثبتتان على شاشة الهاتف الخليوي تحت الغطاء. أما في شأن وسائل الاتصال فقد انهزم الأهل بالضربة القاضية بعدما أعلنت وزارة التربية والتعليم أن العام هو «عام التابلت» (اللوح الإلكتروني).


المعارك التي تدور في مراحلها الأولية داخل البيوت المصرية، تظهر بوادرها داخل محلات بيع الأدوات المدرسية في مرحلة متقدّمة. ففيما يتمسّك الأهل بتلابيب المقاومة وينشدون في أبنائهم وبناتهم روح التضحية بعدما جفت الجيوب ونضبت الحسابات المصرفية عقب ضربة سداد الأقساط والنفقات وذيولها في أول العام الدراسي الجديد.

وتدور رحى هذا العام في فلك 7 آلاف مدرسة خاصة ودولية بدأت الدراسة فيها، وذلك دون عن الغالبية العظمى من المدارس المصرية وتحديداً الحكومية (عددها نحو 45 ألف مدرسة)، التي تستهل عامها الدراسي في الأسبوع الثالث من أيلول (سبتمبر) الجاري.

ويبدو أن ما يميّز التعليم لدى كثر بعيداً من المحتوى التعليمي والرعاية التربوية إلى آخر اللائحة النظرية. فهذا التميّز يعني «أن الشيء لزوم الشيء». تقول مي عرفان (30 سنة) وهي أم لطفل في مرحلة الروضة، إنها اكتشفت أن التفاصيل التي اعتقدت أنها خدمة إضافية وميّزة في مدرسة ابنها الدولية تعني استنزافاً إضافياً لجيوب الأهل. وتوضح أن «وجود مسبح في المدرسة يعني ضرورة تزويد التلميذ بلباسين للعوم وغطاء للرأس من ماركة محددة. واعتماد الدراسة في جانب منها على الأنشطة يعني قائمة مستلزمات باتت تُعرف بين الجميع بـ «سابلايز» وتثير العجب: صلصال بألوان معينة من ماركة مستوردة، ألوان ماء ألمانية، ألوان زجاج إسبانية، ألوان إنكليزية للرسم على الوجه إنكليزية، ناهيك عن تلال من المحارم الورقية وأغطية الطاولات البلاستيكية ومعاطف المعامل البيضاء وغيرها، ما جعلني أنفجر ضاحكة بعدما تخيّلت توتي (ابنها) وقد أصبح قريناً للعالم (ألفرد) أينشتاين».

لكن «توتي» وغيره ملايين من تلامذة المدارس الخاصة يعتقدون أن الـ «سابلايز» جزء لا يتجزأ من المدرسة، وأن المدرسة لا تستوي من دونها، لا سيما أن مسؤولي المدارس يحرصون على دمج طلباتهم بلهجة تهديد لا تخلو من وعيد لأولئك الصغار المارقين الذين قد تسول لهم (أو ذويهم) نفسهم أن يتجاهلوا القائمة أو يراوغوا في محتوياتها.

جد «توتي» اعتقد في البداية أن الأمر دعابة، أو على الأقل أن القائمة اختيارية، بمعنى أن من يود شراء محتوياتها فليفعل، ومن لا يرغب أو لا يستطيع فلا ضرر ولا ضرار. لكن الضرار كاد يقع حين عاد الصغير من المدرسة قبل يومين ومعه رسالة تحذيرية بأنه لم يُسمح له بالاشتراك في حصص الأنشطة ما لم يسلّم المستلزمات المطلوبة لمعلمة الفصل. جد «توتي» كاد يسقط مغشياً عليه حين عرف أن قيمة فاتورة «سابلايز» توتي بلغت 2600 جنيه، لا سيما أنه سار في دربه التعليمي من الحضانة حتى حصوله على الشهادة الجامعية من دون أن يدفع والده ربع هذا المبلغ.

العملية التعليمية برمتها في جانب وقائمة الـ «سابلايز» في جانب آخر. ومنذ تفجّر هذه الظاهرة قبل نحو عقدين، ثم تفاقمها وبلوغها مرحلة السفه الذي لا يخلو من عته، وأولياء والأهل من الطبقة المتوسطة وما فوقها بقليل يضعون أياديهم على قلوبهم لأن الضربات في شهر أيلول تكون متلاحقة، لا سيما على مدار الأعوام الثلاثة الأخيرة منذ تعويم الجنيه المصري، ووقوع الغالبية المطلقة من المصريين تحت ضغط اقتصادي رهيب. فبين خروج من صيف لا يخلو من مصيف ومصاريفه، ودخول عام دراسي متخم بقسط أول وتسديد بدل النقل بالباص كاملاً و «هجمة شاملة» لتوفير الزي المدرسي، أخذت قائمة الـ «سابلايز» تتضخم وتتوغل لتبلغ حداً لا سابق له.

طارق فتحي (33 سنة، أب لطفلة التحقت بصف الروضة الأول) يقول إنه في أثناء مرحلة البحث عن المدرسة المناسبة كان يسأل إن كانت تفرض موضوع الـ «سابلايز أم لا، وذلك بعد ما عرف من أصدقائه أن هذا البند وحده كفيل بقصم الظهر أكثر من شهر.

ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد، فإن الـ «سابلايز» التي ترهق الأهل كنز عند أصحاب مكتبات الأدوات الدراسية والقرطاسية. وكما تجود إدارات المدارس في مكوّنات القوائم لتضيف إليها ما خف وزنه وغلا ثمنه من مستلزمات، فإن أصحاب المكتبات الكبرى يبتكرون أيضاً لتعظيم الفوائد وجني الأرباح.

تشير تدوينة على صفحة الـ «فايسبوك» الخاصة بمكتبة شهيرة إلى «بشرى عظيمة»، فقد وفّرت خدمة توصيل الـ «سابلايز» إلى المنازل مباشرة، وذلك عبر إرسال صورة للائحة المطلوبة على رقم المكتبة على تطبيق «واتسآب».

تقول مي سليمان (38 سنة، أم لتلميذين في المرحلة الإعدادية) إن ما يبدو في ظاهره رحمة هو في باطنه قسوة، فـ «صحيح أن توصيل المطلوب إلى البيت يوفّر الوقت والجهد، ولكنه يقضي على محاولات المناورة التي أقوم بها عادة مع ابنتي في المكتبة، محاولة تقليص أعداد الملفات أو إلغاء خانة الأقلام الفوسفورية. إرسال صورة القائمة يعني الحصول على كل ما تحتويه من أغراض».

وعلى رغم أن المطلوب لا يمت بصلة حقيقية إلى العملية التعليمية، إذ لا تتعدى القوائم أقلاماً متنوّعة، أو حافظة أوراق من 40 جيباً بلاستيكياً، أو ألوان لا يستخدمها إلا طلاب كليات الفنون الجميلة، إلا أنها تحولت إلى ركن من أركان التعليم.

إنه ركن مريب دفع ببعضهم إلى تداول مقطع فيديو للفنانة الراحلة زوزو نبيل، وهي تعدد مكوّنات قائمة الـ «سابلايز»: «ثلاثة دراهم بذر رجف وثلاثة بذر نجف. ثلاثة حزومبل وحتة حرتيت، وقرن خرتيت، وعين عفريت، وكسفريت وقرفة وقرنفل»!

صحيح أن المقطع مأخوذ من مكوّنات «سحر» كانت تجهزه ضمن أحداث مسلسل «ألف ليلة وليلة»، إلا أن عجائب المكوّنات دقت على أوتار عجائب الـ «سابلايز».