هل تنهي «الماكرونية» أجمل مغامرة في تاريخ الصحافة الأدبية؟

كتب إبراهيم العريس |

هل حان أخيراً الوقت الذي سيجهز فيه الموقف من «الماكرونية»، على ذلك الصرح الثقافي الذي لم تتمكن الأزمات المتلاحقة، وحتى تراجع أعداد قراء الثقافة الجادة في فرنسا، من القضاء عليه في السنوات الأخيرة؟ قد يكون الموضوع نخبوياً بامتياز ولا يهم سوى حفنة من مبدعين وقراء ما زال يثير اهتمامهم أن يتابعوا الحياة الثقافية في فرنسا وغيرها، لكنه على رغم «خصوصيته» يبرز الآن كدلالة على ما هو أكثر اتساعاً بكثير. فهو يتعلق بواحدة من المطبوعات الثقافية الأكثر مدعاة للاحترام في فرنسا، والتي تمكنت من البقاء حيّة على رغم كل شيء.


ما نتحدث عنه هنا هو «المجلة الأدبية» (le magazine litteraire) التي دأبت منذ نصف قرن وأكثر على رفد الحياة الثقافية الفرنسية شهراً بعد شهر، بمتابعات نقدية محترمة ومعتمَدة بأقلام نخبة الكتاب والنقاد الفرنسيين والفرانكوفونيين عموماً، إلى جانب ملفاتها الشهرية المجدّدة والمتعلق كل منها بمفكر أو مبدع من الماضي أو الحاضر، غالباً ما تحمل اكتشافات مبهرة.

طوال نصف القرن الذي صدرت فيه المجلة بانتظام مدهش تمكنت من إدخال الأدب، والفن أحياناً، إلى الحياة اليومية لقراء راحوا يتابعونها بعشرات الألوف، بل تتضاعف أعدادهم في مناسبات فكرية محدّدة. وهكذا في وقت كانت بقية المجلات المشابهة تختفي بالتدريج -وليس في فرنسا وحدها- تمكنت «المجلة الأدبية» من البقاء.

لكن السنوات الأخيرة باتت قاسية، وإن راحت المجلة تسد خسائرها بفضل دعم دار نشر كبيرة لها، من دون أن يفقدها ذلك استقلالها ومكانتها. بيد أن المال هو المال. وهكذا أمام خسائر متراكمة وفي ظل تخبطات فكرية متلاحقة، وفي حمى عالم بات فيه الإعلان سيّداً، راحت المجلة تتراجع ويتغيّر محرروها، بل راحت تفقد البوصلة إلى درجة باتت لا تتوانى عن تغيير حجمها وربما سلوكها التحريري لفترة ثم تعود إلى سيرتها بعد فشل موقت، فيما راحت ملفاتها الشهيرة تختفي. كان واضحاً أنها فقدت توازنها... لكنها ظلت مصرّة على الصدور، حتى كانت «ثورة» لا سابق لها فيها.

كان ذلك قبل سنة حين اختفت المجلة تماماً من دون إنذار، لتتحول إلى ما سمّي «المجلة الأدبية الجديدة»

(le nouveau magazine litteraire) بدعم مادي كبير، كما يبدو، من واحد من أساطين الصحافة الجادة في فرنسا، كلود بردريال، صديق جان دانيال وأناه الآخر الأبدي في الـ «نوفيل أوبسرفاتور»، وبرئاسة تحرير أسندت إلى الفيلسوف الشاب رافاييل غلوكسمان – أحد مؤسسي جماعة «ليال ساهرة» الاحتجاجية قبل سنوات، والمعلّق المشاكس دائماً في الـ «نوفيل أوبسرفاتور» وصهر لبنان في شكل ما -. صحيح أن المجلة تبدت في شكلها الجديد شبابية ومعاصرة، تتسم بروح إنسانية... لكنها أبقت محبي «المجلة الأدبية» التاريخية، على ظمئهم فراحوا عدداً بعد عدد لا يخفون حنينهم إلى مطبوعة رافقتهم عقوداً من حياتهم، ولا أثر لها في المجلة الجديدة.

لكن هذا لم يكن كافياً كما يبدو. إذ ها هي المجلة الجديدة، ولما يمضِ عام على صدورها، وفي عزّ نجاح يتحدث عنه مسؤولوها من دون أرقام تدعم كلامهم، ها هي تصاب بنكسة جديدة ثمة خوف من أن تكون قاضية هذه المرة: السبب ليس المبيعات أو الإعلانات، بل الموقف من الرئيس إيمانويل ماكرون!

فالمجلة الجديدة التي دعمت الماكرونية ولو بتهذيب شديد وحذر أشد قبل سنة، سرعان ما راحت توجّه إليه سهام النقد، تحديداً بقلم غلوكسمان الاحتجاجيّ. وواضح أن هذا لم يرق لبردريال، على رغم انتقاده لما آلت إليه الماكرونية، فما كان منه إلا أن «أبدل» غلوكسمان بالكاتب نيكولا دوميناك. وهو تبديل فوجئ قراء العدد الجديد (التاسع) من المجلة باستعراض الثلاثة له، كل من وجهة نظره، على صفحات العدد بالتحديد.

طبعاً ليس في التعليقات الثلاثة ما يشي بانتهاء المجلة. لكن محبي «المجلة الأدبية» إذ يتساءلون اليوم عما بقي منها، يخشون أن تكون أزمتها الجديدة، والتي لا علاقة لها لا بتاريخ الأدب ولا بالحياة الأدبية على الإطلاق، ستارَ نهاية يسدل على واحدة من أجمل مغامرات الصحافة الأدبية في تاريخ الثقافة الفرنسية!