واقعية التصويري بالتوس يلفها وشاح من غموض

بازل (سويسرا) - أوراس زيباوي |

معرض استعادي شامل للفنان الراحل بالتوس (1908-2001)، أحد كبار فناني القرن العشرين، تقيمه مؤسسة بايالير Fondation Beyeler في مدينة بازل السويسرية، وهي تعد من أهم المؤسسات المتخصصة في الفن الحديث في العالم. ويأتي هذا المعرض اليوم بعد سلسلة من المعارض الاستعادية التي كشفت عن مزايا هذا الفنان وموقعه الاستثنائي في زمنه، ومنها المعرض الذي أقيم في «مركز بومبيدو الثقافي» في باريس في مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، والمعرض الذي أقيم عام 2008 في «مؤسسة جيانادا السويسرية» بمناسبة ذكراه المئوية. يضمّ المعرض أكثر من أربعين لوحة مختارة من روائعه التي صنعت مجده الفني، وهي تعبّر عن المراحل التي مر بها وكان فيها متنقلاً بين باريس وإيطاليا وسويسرا التي أمضى فيها السنوات الأخيرة من حياته.


منذ بداياته حاز بالتوس إعجاب الشعراء والأدباء، وفي مقدمهم الألماني راينر ماريا ريلكه الذي كان عشيقاً لوالدته الفنانة التي التقت به أثناء إقامتها في سويسرا هرباً من الحرب العالمية مع ولديها. أعجب ريلكه بأعمال بالتوس يوم كان هذا الأخير لا يزال مراهقاً، ثم قدمه ونشر له مجموعة من رسومه عام 1921، وتروي الرسوم ضياع قطته وبحثه عنها. من الشعراء الفرنسيين الذين بهروا به أيضاً بيار جان جوف، وإيف بونفوا، ورينيه شار الذي كتب عنه قائلاً: «نتاج بالتوس كلمة في كنز الصمت». والوقع أن ثمة غرابة وسحراً يحيطان بأعمال الفنان، الذي اختار طيلة حياته أن يكون بعيداً من التيارات الفنية التي سادت منذ مطلع القرن العشرين، وأولها التجريد، فأصر على أن يكون تصويرياً وينهل من المعلمين الكلاسيكيين القدامي ومنهم الفرنسي نيكولا بوسين والإيطالي بييرو ديلا فرنشيسكا. لم يتآلف كذلك مع السورياليين ومع طروحات عرابهم الشاعر أندريه بروتون، وظل وفياً لواقعية يلفها وشاح من الغموض.

من اللوحات التي يركز عليها المعرض لوحة «ممر سان أندريه» في حي سان جيرمين الباريسي الشهير حيث كان يقيم الفنان، وقد أنجزها مطلع الخمسينات من القرن الماضي واختصر فيها أجواء الشوارع الضيقة الممتدة بين شارع الأوديون ونهر السين. هناك أيضاً اللوحات التي استوحاها من رواية إيميلي برونتي الشهيرة «مرتفعات وذرنغ» والتي عكس فيها افتتانه بعالم الفتيات الصغيرات والمراهقات. وتطالعنا في المعرض مجموعة من اللوحات التي بدت فيها شخصيات الفتيات المراهقات وكأنها في عالم مغلق خارج الزمان والمكان. وأثارت واحدة من هذه اللوحات، وتعرف بلوحة «تيريز الحالمة»، احتجاج عدد من الزوار عندما عرضت في متحف «الميتروبوليتان» في نيويورك العام الماضي، وقد رأوا فيها اعتداء رجل بالغ على الطفولة فطالبوا بنزعها من المعرض. أما في سويسرا فتأخذ الأمور منحى مختلفاً، حيث القضية الأساس تبقى الإبداع الفني وحرية التعبير، بحسب منظمي المعرض، ويبقى للزوار الحق في التعبير عن رأيهم.

من خلال معرض بالتوس، تقدم مؤسسة «بايالير» واحداً من الفنانين المعلمين الكبار في القرن العشرين، ومن أكثرهم خصوصية وإثارة للجدل في الفن الحديث. والمعرض الكبير الراهن الذي بدأ التحضير له منذ العام 2016، يكشف إلى أي مدى استند الفنان إلى تقاليد فنية وأساليب متنوعة سبقته في تاريخ الفنون. هذا الفنان الذي وضع نفسه على مسافة من الحداثة الفنية كما أشرنا، اعتبر بعض النقاد أن مساره الفني يمكن تصنيفه بالمرحلة المابعد حداثية. غير أن الجانب الغريب والغامض في فنه هو أكثر ما يلفت إليه ويدفع إلى طرح تساؤلات حول المنابع التي ينهل منها. في هذا السياق، أكد بالتوس في أحد الحوارات معه أن الفن «لغة مستقلة لها سمات خاصة ولا تحتاج إلى لغات أخرى لكي تفسر أو تفهم».

المعرض الاستعادي هذا هو الأول من نوعه في سويسرا، لشموليته وتغطيته المراحل الأساسية من مسار بالتوس الفني، من عشرينات حتى تسعينات القرن العشرين.