«والأحجارُ أذيبُ قسوتها بلساني»

مؤمن سمير |

على منـــصة العبيد والنَخَّاسُ يحفرُ صدري بعصاه، كانت عيناي مذعورتين تفرُّان من مخابئهما والخَصِيُّ يغمزُ هنا وهناك فيشق العَرَقُ جبهتي كأنهُ السَيْل. بجواري كان الماردُ الأسودُ، جســــده يبرق لكن دمعةً في جانب عينه أسمعها تخافُ وتنقلب حــجراً.


منذ دهورٍ وأنا قابعٌ هنا، مزروعٌ على كل المنصات، لم ألفت نظر عابرٍ ولم يفكر أحدٌ في اختياري على رغم أن الغيمة العجوز لا تغطي أحداً سوايْ. في المنصة المقابلة بناتٌ ونساءٌ عرايا، بعضهن تشبه القمر وأخريات لا يناسبهن إلا القبر. القبرُ راحةٌ في كل الأحوال.

مرةً حلفَ لي شبحٌ بأنهُ قد كان لي أبوان، سُرِقتُ منهما أو باعاني من الفاقة أو حتى اختطفني نسرٌ من وســـط عناقهما. المهم أنهم لم يحافظا عليَّ وبالأحرى لم يختاراني. مَنْ لي بــسيدٍ يأتي مثل البرق وأدورُ وراءَهُ في أسواق المدينة وبيوت الوجهاء وأوكار البغاء، أحمل أغراضه وبعد أيامٍ قلائل أحمل رائحته بامتياز.

أهش الذباب عنهُ وأزرعُ له النسيم كل صباحٍ وكلما فشل مع امرأةٍ أناولهُ السَوْطَ ليدق ذكرياته السيئة على ظَهْري. ربما تبقيني نساؤه في المنزل لأرعى الماشية وأنظر في عيونها الغبية فتسمعني وتحفظُ سِرِّي. وربما تطول رموشي وتطولُ فأمسح المنزل في الصباح كأنني حلمٌ وكلما قامت عاصفةٌ أو مرت مظاهرة للزهاد أسند الأبواب بظَهْري والأحجارُ أذيبُ قسوتها بلساني. ليس من المُسْتَبْعَد كذلك أن تكون للسيدة بنت جميلة يرقص لي طيفها في الساعات التي ينسوني فيها وأحبه ويحبني. يحبني يعني يختارني. فات على الأقدار أنْ تدركَ أنَّ الخيالَ نعمةٌ عظيمةٌ فلم تمسكهُ من رقبتهِ يوم اقتلعتني من السديم أو من الصحراء أو من قرية بعيدةٍ، لم أعد أذكر. خيالي هذا مجرمٌ أيضاً، يزقني ويلقيني من السطوح ثم أراني طائراً وسفينةً تنظر في عين الشمس وتحتضنها بلا رهبة. مرةً حَلُمْتُ بأنني حصانٌ بلا سيد، يطير من الصباح للمساء ويسند رأسه على نافذة قصر الخليفة ليسمع الأنغام ويصعد مع الفاتنات إلى الجنة الخضراء. ولما مرت أمامي جنازة أمير رأيتني أسكن قبراً مهيباً تعانقهُ الزهور والملائكة تستأذن بخَفَرٍ قبل الدخول عليَّ واللعب معي. لكني لما صحوتُ بكيت.

الخيالُ مُرْهِقٌ وقاسٍ ويفشل في أن ينسيني بطء أقدامي وسط الحبال الغليظة كلما تنقلنا من وَهْمٍ إلى آخر. دائماً يخافون أن أهرب. كيف أهربُ أيها المخابيل وأنا لا أعلم لي أرضاً ولا سماء. لا رفيقَ دائمَ لي إلا الخوف. الخوفُ صديقي القديم الذي أخبرني ذاتَ ليلةٍ بالسِر: قال إن لي وجوهاً يراها الناس تشبه الغلمان والشباب والرجال لكن الحقيقةَ أنني ولدتُ عجوزاً وكان دعائي الوحيد على مدى الأحقاب هو أن يهز أحدهم رأسهُ وهو يقلِّب فيَّ ثم تنقلب ذراعه نجمةً تنير وجهي للأبد. القسوةُ الحقيقية هي أن ترفضك الأرض بعد أن لفظتكَ السماء. ألا تجد حائطاً يسند رعشتكَ سوى ذلك الهواء المالح.