الأحلام الأخيرة

(الحياة)
جمال مقار |

(إلى روح نجيب محفوظ)

1 ــ شمس ذلك النهار: كنا نغزل من خيوط الشمس أحلاماً مورقة، مسدنا أليافها حبالاً، لنصعد بها مدارج المجد. كان نجيب الأسبق والأمجد، كنا نتأمله، نراه يصعد وحده فضاء يفضي إلى قلب الشمس المتقد، وقفنا نرقبه مذهولين من سرعته التي تفوق سرعة البشر العاديين. رأيناه يكاد ينتهي إليها، تلك الجذوة الحمراء الفريدة، لكنه حين مدّ يده ليقبضها راغَ منه الحبل. وهو مسجى على حصير أحلامه الأخيرة، روحه يضوع منه أريج المجد والعظمة فيعبق المكان كله، انحنينا نلتقط بعض مجده، تلّفتنا حولنا ونحن نخبئ أريجه الزكي في جيوب معاطفنا، استرقنا النظر إلى بعضنا البعض، وتصنّعنا البكاء.

2 ــ أرض ذلك النهار: ارتوت من أفكاره، فأنبتت زهرات أخذت أوراقها من أطراف ثوبه، صارت كلها حمراء قانية الحمرة، أصبحت كل واحدة منها شمساً صغيرة مضيئة، تضيء قلب الليل، وتعكس ضوءه المشع. عند النهر انعكس وجهه في زهرة لوتس، رأيناه يطل منها علينا ـ مرة ـ ضاحكاً ساخراً منا، وتارة، جاداً مزموم الفم في إصرار، وثالثة، فرحاً كأنه الفرحة، وطرباً كأنه الطرب، وهو يدندن «القلب يعشق كل جميل» لصغيرته أم كلثوم، ثم مرة أخيرة، حزيناً، عيناه ترنوان إلينا، وتحملان نظرة وداع.


3 ـ أشجار ذلك النهار: أخذت ندواة رحيقه، وأورقَت منها فروعاً أوراقها وارفة خضراء غميقة الخضرة، جلسنا في ظلالها الممتدة، لنرسم على الأرض انعكاسات وجهه في مرايانا، وعلى أكفنا نقشنا اسمه، وتبادلنا كأطفال عابثين رغباته الصوفية. فركنا الأكف مرات، لكنه في كل مرة كان يعود إلى الازدهار والسخرية اللاذعة من صبيانيتنا، غسَلنا الأكف، لكن عطره الآثر ظل يضوع منا، نحن الأولاد المدانين.

4 ـ سماء ذلك النهار: كانت صامتة عبوساً، لم تبتسم لنا ولا مرة واحدة، وهناك في أقصى أركانها، جلس عجائز ارتخت أشداقهم، كانوا يرقبوننا وهم يثرثرون، وعندما نطقنا أحرف اسمه، تفرقوا خوفاً وهلعاً، واختبأوا خلف سحابة كبيرة رمادية، مرّت، فانكشفوا لنا عرايا بلا عـورات، وحين داهمهم الضياء، غشيت عيونهم، غطوا وجوههم بأكفهم، فتكتمنا ضحكاتنا الساخرة.

5 ـ نيل ذلك النهار: مرَّ واجماً بلا مبالاة، ولم يولنا حتى نظرة، ظل يمشي، يهبط القرى والنجوع، يتسوّل الحزن الدفين من أعين أبنائها، بينما كنا نمشي خلفه كاليتامى، جائعين، مغبري الوجوه حفاة، نتمنى أن يعطينا ولو حتى كسرة حزن مما جمع في جعبته، لكنه كان جباراً عنيداً. تشقّقت أقدامُنا من الشوك والحسك، الذي أدميناه، فأدمانا، أخذنا التعب، جلسنا، نرطب جباهنا بخرقات مبللة بالدموع، ونحن نرقبه يمضي بلا كلل أو نصب مِن دون أن يمنحنا حتى التفاتة. توقّف عند النقطة التي سجي فيها نجيب، تشمّم عبق ليالي ألف ليلة، وأطلق إسـار دموعه.

6 ـ حرافيش ذلك النهار: كانوا يدخنون الحشيشة، ويصعدون درجات الوهم اللذيذ، وهم يدقون على الأجساد أوشاماً غائمة لقطط برية وسِمّان مهاجر وسهاماً تخترق قلوباً جوفاء وقِرَدة. بينما أخرجـت نساؤهم من أخراجهن حفنات من الودَع، ضربنها ببعض وطرحنها على الرمال، كل صَدفة مـن الصدف أخرجت نجيباً صغيراً، شقشَق بلغة غامضة لا يعرفها إلا الحرافيش.

7 ــ عصافير ذلك النهار: لم تصدقنا، ولم تصدق أي أحد آخر، (مَن قال إن نجيباً مات فقد كذب، نجيب حي، لم يزل، رأيناه هناك، قبل أن نعود من رحلة النهار، كان بهياً وصبياً ورائقاً، شقشق للحرافيش ببعـض ألغازه، ثم مضى ليجلس معهم، تبادلوا الحكمة والصمت وبعض كؤوس من نور وكِسرات خبز مقدد، كانوا يوزعون الأدوار، يفرقونها، ثم يعيدون ترتيبها، وأنتم بالذات أعيد توزيع أدواركم أكثر من مرة، انظروا في المرايا)، نظرنا إلى أوهامنا، رأينا أنفسنا، مرة أقوياء تتدلى سواعدنا، ومرة تافهين متقعري الأفكار، ثم منبــعجين محـــدودبي المؤخرات، ضحكنا من شـدة الحزن على أنفسنا، وجلسنا على الأرض، حاولنا أن نرسم ملامحه بأيدينا وعلى أهوائنا، رأينا العصافير تفر خوفاً من جنون أفكارنا.

8 ـ نساء ذلك النهار: رادوبيس، حميدة، نور... متشحات بالسواد، يرفلن في ثياب فضفاضة، نظراتهن تقطر حزناً وأسى، قالت كل واحدة للأخرى: «نجيب لم يمت»، «نجيب مات فماذا عسانا الآن فاعلات؟»، وانصرفن إلى أعمالهن المنزلية، قشّرن الخضراوات، وفصّصن قرون الصمت، ووضعنها على نار هادئة، وقلّبن أوجاعهن بملعقة خشبية في عكس اتجاه الساعة، ولما نضجت آلامهن، تذوقنها، ليطمئنن إلى مقادير الملح والتوابل اللاذعة، ثم انصرفن إلى أعمال التريكو، وعندما عاد أزواجهن، ارتمين على أكتافهم باكيات. وفي الشتاء الذي تلى، أنجبن أطفالاً كثيرين يشبهون نجيباً بعضَ الشبه.

9 ـ بحر ذلك النهار: غاضباً كان، وهو يقذف الموجات إلى الشاطئ في عبث وجنون، يبعث بهن ليسرقن من حبّات رمال الشاطئ المفزع الشاكي حفنات، وعندما يجذب الشباك، يأخذ حفنات الرمل ويعطينا مـا يكفي أن نبلله بدموعنا، ثم يجأر بالغناء الحزين، لعلنا نلتفت إليه، لكننا نظرنا نحوه في لا مبالاة. لما رآنا قساة غير عابئين به، استدارَ، وجعر جعيراً غبياً، أضاع بهاءه وأشحب زرقته. ثم لملمَ أطراف عباءته، وانطوى حزيناً مكسور الخاطر، وهو يتمتم بمفتتح «ميرامـار»: «الإسكندرية، مهبط الشعاع، وقلب الذكريات الممزوجة بالشهد والمبللة بالدموع».

10ـ جنيّات ذلك النهار: كن في أول النهار فرحات ينظرن إليه وهو يصعد متسلقاً أحبال المجد، ولما رأين الحبل ينفلت من يديه، تفزعن، هربن واختبأن إلى حين، ثم عاودن الظهور على استحياء. نادين باسمه مرات، تفرقت أصواتهن بدداً، تناثرَ فوق رؤوسنا، نادينَ، نادينَ أكثر من مرة. وعندما أطلّ ممسكاً في يده جعبة الأدوار، ليوزعها علينا، ابتسمن له، هزّ رأسه لهـن، وابتــــسم، التقط الأدوار ووزّعها علينا، ولما انتهى، قال: - هذا نصيبي ودوري. تضاحكت الجنيات وأقبلن عليه مبتهجات، رقصن حوله وله، وأخذن بأطراف يديه وثوبـه، حملنه على محفة من نور، وصعدن به إلى قلب الشمس، هناك أودعنه ملفوفاً بقبـسٍ من الضياء.