«إد وود» لتيم بورتون: سينما البراءة للسينمائي الأردأ

ابراهيم العريس |

منذ سنواتها الأولى، عرفت السينما كيف تكون موضوعاً لأفلامها، وذلك في النوع الذي يسمّى عادة «الفيلم داخل الفيلم» بحيث يكون فيلم ما، يصوّر في لحظة معينة، أو حياة مخرج ما أو ممثل معين، هو موضوع الفيلم الذي يُدعى المتفرجون لمشاهدته. والحال أنه لمن الصعوبة بمكان ذكر عدد من الأمثلة هنا وإن كان ثمة أفلام تبرز في هذا المجال مميّزة عن غيرها وتستحق التوقف عندها. فمن «الكاميرامان» لباستر كيتون، إلى «هايل قيصر» و»بارتون فنك» للأخوين كون، مروراً بـ «رحلات ساليفان» و «مولد نجمة» و «سانست بوليفار» واللائحة تطول جداً، يمتلئ تاريخ السينما بأفلام رائعة قرّبت الفن السابع من الجمهور العريض إذ صار في إمكان هذا أن يدخل عالم السينما ويعايشه من قرب. وكل هذا بات معروفاً ومرحّباً به. غير أن الأقل توقّعاً والأكثر غرابة كان إقدام واحد من أكبر طلائعيي السينما الهوليوودية الجديدة، وتحديداً لمناسبة احتفال الفن السابع في العام 1996 بالمئوية الأولى لولادة هذا الفن، على تحقيق فيلم ينتمي إلى النوع «السينمائي» الذي نتحدث عنه. فيلم آثر الاحتفال بالمئوية من خلال تقديم «سيرة مؤفلمة» لذاك الذي يُنظر اليه عادة على أنه «أردأ سينمائي في تاريخ هذا الفن». هو هكذا في الحقيقة من دون لف أو دوران، إذ حسْبُ المرء أن يشاهد أياً من أفلامه ليتساءل: ماذا يفعل هذا الكائن؟ وكيف كان في إمكانه حقا أن يكون رديئا إلى هذا الحد؟

> من نتحدث عنه هو المخرج الأميركي إدوارد (إد) وود. أما المخرج الكبير المعاصر لنا والذي جعل من وود موضوع واحد من أبدع أفلامه، فهو تيم بورتون، الذي اعتاد على أي حال أن يحوّل مواضيع في غاية الغرابة وحتى «العادية» بالمعنى المبتذل، إلى تحف سينمائية رائعة. والحقيقة أن هذا ما فعله بالتحديد في الفيلم الذي نتحدث عنه والذي أعطاه عنواناً غاية في البساطة: «إد وود». ومع هذ لا بد لنا من أن نبادر هنا إلى تأكيد أن «بساطة» عنوان الفيلم، كما «بساطة» موضوعه، ناهيك بـ»بساطة» أداء الممثل الذي اختاره ليلعب دور المخرج، ونعني هنا جوني ديب، أتت كلها أموراً خادعة، بل إن الفيلم نفسه لم يكن، إن جاز القول، فيلماً عن ذلك المخرج بمقدار ما كان فيلماً عن السينما في براءتها الاولى.

> وتحديداً السينما في جانبها المبهر، كموضوع أساسي، في فيلم يتحدث كله عن السينما، وأي سينما؟! فهذا الفيلم، إذا كان يتحدث عن المخرج إدوارد وود الصغير، الذي دخل تاريخ السينما من باب ضيق باعتباره «أردأ مخرج عرفه فن السينما على الإطلاق» كما أشرنا أعلاه، يتجاوز في الحقيقة هذا الموضوع، وإن كان إد وود لا يغيب عن أيّ لقطة من لقطات الفيلم. والطريف أن السمعة السلبية للوهلة الاولى التي ارتبط بها إسم هذا المخرج، كانت هي التي لفتت انظار هواة السينما قبل سنوات إلى افلام هذا المخرج العجيب الذي عاش علاقته بفن السينما انبهاراً دائماً، وكانت سينماه الحقيقية علاقته هو نفسه بالسينما، ولا سيما بنجم افلام الرعب بيلا لوغوسي الذي كان معبوده ومثله الأعلى في الفن والحياة. لقد اختار تيم بورتون أن يصور جزءاً من سيرة إد وود يبدأ مع تعرّفه على بيلا لوغوسي، لينتهي بعد فترة قصيرة من موت هذا الأخير ضحية إدمانه حقن المخدرات. ومن هنا جاء الفيلم مزدوج البعد، فهو من ناحية رسم جزءاً من حياة إد وود وافتتانه بالسينما، واصفاً الأساليب المضحكة والملتوية التي يمارسها من أجل الوصول إلى تحقيق أفلامه العجيبة الحافلة بالأخطاء والسخافات، وهو من ناحية ثانية رسم لنا، بطريقة مجازية ومواربة، حياة السينما نفسها من خلال سقوط نجم في سنوات الخمسين، هو بيلا لوغوسي.


> لقد عرف تيم بورتون كيف يخلق «تمفصلاً» فعالاً بين جانبي فيلمه. وهذا «التمفصل» جاء من طريق نظرات إد وود البريئة. فمن هو إد وود في نهاية الأمر؟ هو بالتأكيد واحد من ملايين الشبان الذين بهرهم الفن السابع طوال شبابهم وكبلهم من دون أن يكون لهم منه فكاك. فإذا كان الملايين من أولئك الشبان المفتونين بالصورة المتحركة قد عجزوا عن أن يكونوا أكثر من مجرد متفرجين، فإن إد وود أصر على أن يكون مخرجاً من دون أن تكون لديه أي بضاعة ثقافية، ولا أي مخيلة عفوية تساعدانه على تحقيق ما يريد من أفلام. كانت المواضيع لديه تولد يوماً بيوم، من خلال نظرة، من خلال شخصية، من خلال كنزة «انغورا» يرتديها، هو الذي كان يحب، لأسباب غير جنسية على أي حال كما يقترح علينا الفيلم، أزياء النساء، أو حتى من خلال لقاء: في هذا المجال يكإد يكون أجمل مشاهد الفيلم ذلك اللقاء الوهمي الذي يتخيله تيم بورتون بين إد وود (مرتدياً ملابس نسائية فاضحة) وبين أورسون ويلز، السينمائي الكبير وصاحب واحد من أعظم الأفلام في تاريخ الفن السابع، «الموطن كين». في المشهد كان أورسون ويلز الكبير، جالساً مكتئباً في مقهى، فإذا بإد وود يقترب منه بحياء وتبجيل ليعرّفه على نفسه بوصفه «زميلاً له». والحقيقة أن أهمية هذا اللقاء، الذي حشره تيم بورتون في سيرة إد وود، تكمن في أن هذا الأخير كان ينظر إلى ويلز نظرته إلى سيد كبير وإلى مثل أعلى، كان يرى أنه هو، وصاحب «المواطن كين» المخرجان الوحيدان المستقلان في طول هوليوود وعرضها. طبعاً لا يمكننا أن نتوقف عند هذا الأمر على سبيل المقارنة النوعية بين عملاق من عمالقة السينما، وإد وود الذي اعتبر الأردأ في تاريخ هذا الفن، بل على سبيل استثارة تلك النظرة المزدوجة إلى الفن السابع: نظرة بريئة يلقيها كل من المخرجين على الفن نفسه، بصرف النظر عما تؤدي إليه تلك النظرة حين تتجسد انتاجاً سينمائياً.

> والمهم هنا، على أي حال، النظرة التي يلقيها تيم بورتون على السينما من خلال بطله، وبراءة بطله. ففي الأحوال كافة لا بد من التسليم بأن إد وود تعامل مع فن السينما بكل العفوية والتلقائية والبراءة التي تميز نظرة الفنانين الفطريين إلى لوحاتهم: براءة العالم، إمكان تصوير أي شيء في أي لحظة ثم... الفن كوسيلة تطهير وإنقاذ. ولعل مشهد التعميد الذي صوّره تيم بورتون بشكل أخّاذ في الفيلم وهدف إد وود منه إلى إغراء الكنيسة الميثودية بإنتاج فيلمه «المخطط 9 من الفضاء الخارجي»، قادر على أن يرسم في حد ذاته نظرة تيم بورتون إلى السينما: فن براءة وانبهار ودهشة.

> طبعاً لقد رأى كثر يومها أنه كان من شأن تيم بورتون أن يتناول براءة السينما من خلال موضوع أقل «خطورة» -أي مجازفة- من موضوع إد وود، إذ كيف يمكن صنع فيلم كبير عن مخرج صغير. ترى هل سيتساءل البعض: أما كان أحرى بتيم بورتون أن يحقق فيلماً عن أورسون ويلز جاعلاً إياه، في لحظة ما، يلتقي إد وود؟

> من الواضح أن تيم بورتون إنما شاء أن يصور الحد الأقصى للمشاعر وللعبة لانبهار، عبر فيلم عن مخرج الحد الأدنى، ليوصل التناقض إلى ذروته، وليجعل تحيته إلى فن السينما في مئويتها، أكثر مصداقية وبراءة. وما تصويره فيلمه بالأسود والأبيض سوى إمعان في إيصال تلك البراءة إلى حدودها القصوى. وفي هذا السياق نتوقف عند «العصابة» التي أحاطت بإد وود، من مصارعين ومشعوذين ونصابين ومشوهين. لقد توقف تيم بورتون مطولاً عند هؤلاء الأشخاص الذين شكلوا عالم إد وود، ثم غاص في دواخلهم وبيّن لنا كم أنهم اطفال في تلك الدواخل، بل أكثر من هذا، كشف لنا كم أن السينما عززت من براءتهم وطفولتهم فكشفت عن البريء والسمح والطفل في داخلهم، فالسينما، كما يقترح علينا تيم بورتون، هي كما الماء المطهر في مشهد التعميد الرائع، الفن الأقدر على إظهار ما هو طفل وبريء في داخلنا. وما سينما إد وود سوى البراءة الخالصة والطفولة الخالصة، في نهاية الامر.

> وفي هذا البعد تحديداً، يمكن ربط هذا الفيلم بسينما بورتون، ذلك المبدع الذي يشتغل داخل هوليوود وإنما لنسف أنواعها ويقيناتها، عبر أفلام تنضح بذات النوع من البراءة، لعل أشهرها «تشارلي ومصنع الشوكولا» و «زهور محطمة» و «سويني تود» و «السمكة الكبيرة» و «سليبي هالو» ونصف دزينة أخرى من روائع سينمائية.