جانب مِن مسامرَات المطوبسي

خالد عزب |

ذات يوم، في العام 1982، فاز الفتى المطوبسي برحلة إلى أسوان. كان لا يزال في المرحلة الثانوية. هو الوحيد بين زملاء الدراسة في مدرسته في مطوبس الذي فاز بها، عبر مسابقة على مستوى محافظة كفر الشيخ (في شمال مصر). بعد مغادرة القطار محطة رمسيس في القاهرة في طريقه إلى الجيزة، يلتقط بصر الفتى، قبة جامعة القاهرة. هنا يسرح الخيال إلى كونه سيصبح طالباً في هذه الجامعة وسيرتبط بها ويحبها، وهو ما تحقق بعد عامين. وطوال أربع سنوات، هي مدة الدراسة في كلية الآثار، تجوّل الفتى بين كليات «نظرية» عدة لرغبته في تنويع مصادر المعرفة لديه. فبالإضافة إلى محاضرات كليته، كان يحرص على متابعة محاضرات في كليات الاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام والحقوق والآداب ودار العلوم، فضلاً عن تردده المنتظم على مكتبة الجامعة ليقرأ «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، و «خطط المقريزي»، ومراجع أخرى، حتى في فترات تعطل الدراسة.


لكن أحلام اليقظة هذه وتحققها يظلان يلازمان الفتى طوال حياته، ففي السنة الثانية من الدراسة في الجامعة كان الفتى يصلي الجمعة في مسجد اشتُهر بخطب الشيخ حسن شحاته الذاخرة بالخرافات. كانت أمام المسجد بناية سكنية من ستة طوابق، وحدثته نفسه أن شيئاً ما سيربطه بها. ومع نهاية ذلك العام الدراسي عرف أن السيدة ليلى علي إبراهيم؛ وهي أستاذة آثار في الجامعة الأميركية في القاهرة، تقطن في تلك البناية. هي كريمة علي باشا إبراهيم؛ الذي روَت له جدته عنه الكثير عن كفاح والدته وكفاحه ورعايته لأهل بلدته مطوبس.

ولما اتصل بها الفتى رحّبت به فوراً، وصارت ترعاه علمياً بالأبحاث والكتب، وتوجهه بما جعله فارقاً عن أقرانه في كلية الآثار، لجهة التشجع على البحث مبكراً، في وقت كان أساتذته في الجامعة يرهبون طلابهم من الإقدام على نشر مقالاتهم. بدأ الفتى يكتب ويعرض عليها وهي تصحح له وتضيف أحياناً، بل تذهب إلى مكتبة الجامعة الأميركية لتصور له ما ليس متوفراً في جامعة القاهرة من أبحاث، ووصل الأمر إلى أن نبّهته إلى أنه حان الوقت لينشر حينما بلغ من العمر 22 سنة، فسبق في ذلك زملاءه. هي سيدة عظيمة معطاءة، تميّزت بأنها لا تنتظر منك شيئاً، بل كانت كلمة الشكر حتى لا تنتظرها. وهبَت وقتَها وحياتَها بعد اغتراب ابنتها؛ ليلى سراج الدين وابنها إسماعيل سراج الدين، وانشغال الأخرى هدى سراج الدين، لتلامذتها، فاعتبرتهم أبناءها، وكنتُ أشعر بأني ابنها المدلّل الذي ترى فيه ما لا تراه في الآخرين. كانت تخصص لكل واحد منهم وقتاً منفرداً في المنزل، لمناقشته في بحثه، وكثيراً ما كانت تذكر لي منهم: ناصر الرباط ودرويش أبو سيف وخالد عصفور وحسام إسماعيل وطارق سويلم وغيرهم من مصريين وأجانب. لذا أحبّها الجميع واعتبروها أماً لهم. بل وصل الأمر إلى حد أن زوّجَتهم بنفسها، وكلهم يعرفون أم وحيد الخادمة في منزلها، والتي كانت تعرفهم، وتعد لكل واحد منهم ما يرغبه من مشروب حين وصوله، بل كانت تعرف أوقاتهم، التي كانت تتوقف عند وصول الدكتور إسماعيل سراج الدين إلى مصر ليقضي بعض الوقت مع والدته. هنا لا مكان للتلامذة. المكان والوقت فقط للابن الذي يأتي من الولايات المتحدة الأميركية.

أحلام اليقظة عند الفتى طريفة. في المرحلة الإعدادية كان يشتري مجلة «الفيصل» السعودية، وبدأ يقرأ مجلة «العربي» الكويتية بتشجيع من والده، وإذا بالخيال يشرد به، ليحلم بأنه سيكون مِن كُتّاب هاتين المجلتين، وهو ما تحقّق بعد ذلك بسنوات عدة.

وامتدت أحلام الفتى، فذات يوم في أوائل تسعينات القرن العشرين، كان في حي غاردن سيتي في وسط القاهرة يبحث عن عنوان، فدخل بالخطأ عمارة سيف الدين في شارع النباتات وصعد طابقين، وأدرك بالسؤال أن هذا العنوان خطأ، لكن نفسه حدثته أن من سيتزوجها تسكن في هذه العمارة، وهو ما حدث بعد أربع سنوات. وذات يوم في نهاية عقد التسعينات من القرن العشرين، يحضر مؤتمراً في قصر ثقافة سيدي جابر في الإسكندرية عن الفتح الإسلامي لمصر، ويمر على الكورنيش، ليشاهد أعمال إنشاء مكتبة الإسكندرية، وتحدثه نفسه أنه سيكون وثيق الصلة بهذا الصرح الذي جمعت مصر بمعاونة اليونسكو تبرعات من مختلف أنحاء العالم من أجله، وهو ما حدثَ بعد سنوات قليلة.

تحول أحلام اليقظة إلى واقع، يذهل الفتى، بل يجعله الأمر أحياناً حذراً من حكي ما يراوده منها، لكي لا يظن به الناس الجنون. لكنه بات مؤمناً بأنه لن يحقق شيئاً ما لم يحلم بأنه سيحققه. بات يؤمن أن الحلم هو الأمل في لحظة يأس، وقد يقودك إلى ما هو أفضل أحياناً، حتى وإن لم تحقق أحلامك فهي تعطيك قوة دفع، لكننا اعتدنا أن نربط أحلامنا بالخرافة أحياناً، لذا لا أستطيع أن أنكر أنني أطلق العنان لأحلامي وأحاول أن أحقق منها ما أستطيع، وما ذكرته هنا ما هو إلا أقل القليل.

* مقتطع من سيرة ذاتية قيد النشر