الجدار الإسرائيلي العنصري يواجه خرائب بيروت ... بكاميرا جوزف كوديلكا

بيروت - «الحياة» |

ليس مستغرباً أن يكون «الجدار/ بيروت»، عنوان المعرض الفوتوغرافي البديع الذي تقيمه دار النمر للفن والثقافة، بالتعاون مع وكالة ماغنوم للصور، فهو يقدم في آن واحد سلسلة رهيبة من الصور التي التقطها المصور التشيكي- الفرنسي العالمي جوزف كوديلكا، أولاً للجدار العنصري الذي بنته دولة الاحتلال في أرض فلسطين، وثانياً للخراب الرهيب الذي خلفته الحرب الأهلية في قلب مدينة بيروت. تضم مجموعة «الجدار» صوراً بانورامية تشكّل مجتمعة نسخة عن جدار الفصل العنصري، صورها كوديلكا خلال رحلاته لفلسطين بين عامي ٢٠٠٨ و٢٠١٢، بينما توثق «بيروت» نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وقلب العاصمة المدمَّر عام ١٩٩١.


خلال نشأته في تشيكوسلوفاكيا، لم يرَ جوزيف كوديلكا (مواليد 1938) أبداً «الجدار» بين أوروبا الشرقية والغربية. كان من المستحيل حينها مجرد الاقتراب من الستار الحديدي. غادر كوديلكا مسقط رأسه سنة ١٩٧٠ ليصور مدينة روما في الغرب. على الرغم من حصوله على تأشيرة خروج لثلاثة شهور، لم يعد إلى بلده إلا بعد عشرين عاماً حين انهار الاتحاد السوفياتي وأعيد فتح الحدود مع الغرب. لقد زال الجدار. بعد عقدين من الزمن، وقف جوزيف كوديلكا أمام جدار آخر. زار كوديلكا الأراضي المحتلة عام ٢٠٠٧ ليصور جدار الفصل العنصري بين الضفة الغربية وفلسطين المحتلة. ذهب برفقة دليله إلى جانبي الجدار، واختار استعمال تقنيته السابقة في أخذ الصور البانورامية التي كان قد استعملها ضمن مشاريع سابقة عن المساحات الأوروبية المدمرة، وتلك ثيمة نشر حولها عدداً من الكتب. يعتبر كوديلكا صيغة البانوراما متوافقة مع مجال الرؤية البصرية للإنسان وقادرة على إبراز أفقية المساحة، بحيث أصبحت صور الجدار شاهداً على الدمار الحاصل في فلسطين. نتج عن هذا المشروع– الذي تطلب ثماني زيارات إلى فلسطين لإتمامه– سلسلة موسعة من الصور البانورامية مجتمعة في جسم واحد: ألبوم مطويّ على هيئة أكورديون بطول ٢٢ متراً يضم ٣٥ صورة تم توليفها في شريط واحد، في شكل يشبه الجدار. نُشرت هذه الصور الواسعة والشديدة التباين في كتاب يحمل العنوان نفسه لتعكس تجربة كوديلكا مع المكان ومشاعره حول تأثير الجدار على المساحة التي يحتلها. يرمز الجدار في هذه الصور لأسلوب محدد للتعامل مع الصراعات المعاصرة وأخذها بالاعتبار، والمعنى الرمزي هنا أساسي بقدر القيمة التوثيقية لهذه الصور.

بيروت: رؤية ما لا يُرى

في الكاتالوغ الذي يرافق معرض بيروت كتبت الروائية الفرنكوفونية دومينيك إدّه كلمة جميلة تقدم فيها المعرض هنا نصها:

التُقطت صور وسط بيروت التجاري في خريف ١٩٩١، في إطار بعثة من ستة مصورين مشهورين من دول مختلفة. تلك السنة، أقام كوديلكا مرتين في بيروت: مرة في تشرين الأول وأُخرى في تشرين الثاني. من شروق الشمس إلى غروبها، جال في المدينة كحيوان برّي، مقتنصاً الصور كالفرائس الهاربة، سواءً كان واقفاً، منحنياً، جاثماً على رافعة أو متمدداً على طرف الشارع: عمل كوديلكا خلال كل ثانية ولساعات. كان بكلّيته حريصاً على إظهار الخفيّ. كانت الأسئلة التي طرحها موجزة، محددة، عمليّة. تحدث مع الناس بعينيه، بنقرة على الكتف، بترحيب مسموع. لم يفوت كوديلكا فرصة التواصل مع أي أحد، من الجنود وبائعي الماء، إلى الرواد القلائل لمقهى السلام ومقاتلي المليشيات القدامى الذين لم يفارقوا بعض الأماكن. لم يكن لديه أية أحكام أو إجحاف، فاكتسب الثقة بالاحترام، وأعطى بطيبته الفظّة بعداً إنسانياً لهذه العلاقات. كان وقته هنا كما في كل مكان آخر– في عمله وحياته– متصلاً بالصمت والتركيز، بلا لهو أو بهرجة. ملتحماً بالآثار غير آبه بالقصص أو الطرائف بل مستجيباً للرؤية. فأصبحت بيروت في صوره غير منتمية لأحد: إنها جرح. هي مكان للجميع دمّر فيه الإنسان أخاه الإنسان. هي ما تبقّى بعد مرور البشر. هي الجسد التائه وقد هشّمه برج حجري لساعة متوقفة في قعر سُلّم القيم. تقدم هذه الصورة نفسها كتمثيل يجسده كوديلكا للبشرية: ذاك الشيء الصغير جداً قبالة بؤس عظيم. إن المجابهة التي يُقارب من خلالها البؤس أو الجمال تنطوي على مناورة غامضة– أو غير مفهومة، على الأقل– تتمثل في تجاوز كل ما لا يحمل قيمة في هذه المواجهة. تبرز القوة الفريدة لصور كوديلكا في خضم هذا السقوط المربك للجدران والأقنعة.

مقارنة بأعماله السابقة، تستهل صور بيروت– إن لم أكن مخطئة– تلك اللحظة التاريخية حيث أصبحت الآثار– لا دمار المساحة فحسب– جزءاً من أعمال كوديلكا، أي بقايا الزمن حيث أصبحت المساحة التي صنعها الإنسان خالية من البشر. على مدى ما يقارب العشرين عاماً (من ١٩٩١ إلى ٢٠١٧) استكشف كوديلكا تباعاً الآثار اليونانية الرومانية في كل دول المتوسط، وكانت النتيجة عملاً مبهراً: حقيقياً وماورائياً، مجرداً وتاريخياً، أقرب ما يكون للغامض لكن بعيداً كل البعد عن الحنين، وفي شكل يستشرف ثقل الماضي على الحاضر وعلى المستقبل كما سيبدو. هو تحالف الزمن والجمال الذي يرقى لمقام الموت.

عند النظر إليهما قبالة بعضهما البعض، كيف للمرء ألّا يرى الارتباط المأسوي بين الاثنين؟ الجدار في فلسطين الذي يقطع الحياة عن الحياة، والجدران المنهارة لمدينة بيروت القديمة. يخبر أحدهم حكاية بناء الهدم، بينما يظهر الآخر مصير هدم البناء. يحكي كلاهما عما تفعله الحماقة البشرية حين يغذيها الخوف. في كلا المكانين، يخبر كوديلكا عن كل شيء، بصورة واحدة ومن دون أي تعليق، إلى درجة أن أعماله لا تحمل أي جديد. هنالك الوقت. لا شيء سوى الوقت حيث التاريخ والمكان كانا نقطتا مرجع. من خلال تجنّب السياسة بمعناها العام، يفرض كوديلكا سياسة أُخرى: تلك السياسة التي تجيب على الوعي الشديد بالمسؤولية. إن نظرة كوديلكا الثاقبة تظهر الفرق بين نهاية لا إنسانية ونهاية إنسانية.