التلفزيون المصري... مكانكَ رَاوِحْ

(الحياة)
القاهرة – هبة ياسين |

أعلن خلال شباط (فبراير) الماضي تدشين خطة لتطوير التلفزيون المصري (ماسبيرو) تبدأ بالقناة الأولى. جاء بينها إطلاق برنامج التوك شو «مصر النهاردة»، وأسند تقديمه إلى رشا نبيل وخيري رمضان، وبرنامج المرأة «الست هانم» الذي تقدمه الفنانة مها أحمد، وبرنامج رياضي يقدمه كريم حسن شحاتة بعنوان «كورة كل يوم»، إضافة إلى بعض البرامج الأخرى. وخرجت الخريطة البرامجية الجديدة وسط احتفاء بالغ، ووعود بتدشين حقبة جديدة لتلفزيون الدولة يستعيد خلالها جمهوره المفقود.


لكن سرعان ما انضمت برامج التطوير إلى القائمة التي انصرف عنها الجمهور، إذ لم تحقق النجاح المنشود، ولم تفلح محاولات الاستعانة بمذيعي الفضائيات الخاصة والفنانين أو الديكورات الفخمة والتقنيات والصورة البصرية والبث فائق الجودة والإمكانات الهائلة في إنجاح البرنامج. وفشل «ماسيبرو» مجدداً في تجديد محتواه ودمائه بفعل الاستناد إلى آليات تقليدية لم تعد ملائمة في الوقت الراهن، وعبر إطلاق خطط للتطوير من دون استراتيجية واضحة وكأن النجاح يتوقف على الشكل وضخ أموال ضخمة فقط.

وأخيراً، جرى استبعاد مذيعي برنامج «مصر النهادرة» خيري رمضان ورشا نبيل وأسند تقديمه إلى اثنين من مذيعي التلفزيون المصري هما ريهام الديب وأحمد سمير ليخرج البرنامج في حلقات مسجلة بعدما كانت على الهواء.

وكشفت مصادر لـ «الحياة» أن حجم الأموال التي أنفقت على إطلاق هذا البرنامج بلغت نحو 8 ملايين جنيه (450 ألف دولار)، وهو مبلغ كبير مقارنة مع الديون المتراكمة على التلفزيون الحكومي.

ويقول أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة صفوت العالم لـ «الحياة» إن أسس اختيار مذيعي برامج التطوير تفتقد الدقة، ولم تخضع إلى أية معايير مهنية أو أدوات قياس الرأي العام، ويتساءل عن عوامل اختيار المذيعين، وإلى أي أسباب استند صاحب القرار، بخاصة أن بعضهم لم يكن صاحب تجربة نجاح لافتة في برامجه السابقة.

ويشير إلى أن «رشا نبيل وإن امتلكت برنامجاً ناجحاً على قناة «دريم»، لكنه كان يعرض ضمن مناخ آخر مع فريق وظروف عمل مختلفة، وضمن حزمة متكاملة من البرامج، فلا أحد يشاهد انتقائياً بل من أجل وجبة متكاملة ثقافية علمية وسياسية وخطة برامجية كاملة وليس مجرد برنامج مدته ساعتان».

وينتقد أستاذ الإعلام إسناد تطوير ماسبيرو إلى مؤسسة «أخبار اليوم»، لكونها مؤسسة صحافية وليست تلفزيونية، وهو ما أدى برأيه إلى هذه النتيجة، لافتاً إلى أن التغيير ينبغي أن يأتي شاملاً ومتكاملاً.

ولم تكن هذه المحاولة الأولى لتطوير التلفزيون المصري فقد استخدم ذلك النهج من دون تغيير في العام 2016 عبر إطلاق برنامج «أنا مصر» الذي ضم نجوم الشاشات المصرية آنذاك وبينهم شريف عامر وإيمان الحصري وريهام السهلي وأماني الخياط، إضافة إلى الفنانة داليا البحيري، وعلى رغم الفشل الذريع لهذه التجربة فإن مسؤولي «ماسبيرو» أعادوا التجربة بكل تفاصيلها، ولكن بأشخاص مختلفين ومن دون تغيير الآليات والاستفادة من دروس الفشل السابقة. وكأنهم لا يعون أن النجاح لا يتأتى بالاستعانة بوجوه تلفزيونية شهيرة بمقدار ارتباطه بتوفير مقومات وأجواء التميز وهو ما يتجلى في نجاح غالبية أبناء ماسبيرو في الفضائيات الخاصة أو العربية، إذ يرتبط بعوامل إدارية وقدرات مالية ومساحات من الحرية.

ودائماً ما تنحصر الخطط التطويرية لمسؤولي التلفزيون في شكل برنامج «توك شو» متغافلين تراجع الاهتمام الجماهيري بهذا النمط الذي كان صالحاً خلال سنوات سابقة شهدت زخماً ثورياً وأحداثاً سياسية متتابعة وأجواء لم تعد متوافرة في الوقت الراهن، في ظل اختلاف المناخ السياسي، وتغير مزاج الرأي العام الذي اتجه إلى الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي في ظل غياب المنافسة بين هذه البرامج التي يتشابه محتواها.

كما أن المشاهد بات يهرب من أعباء وضغوط المعيشة إلى متابعة البرامج الخفيفة أو الأفلام أو الدراما التلفزيونية نائياً بنفسه عن برامج السياسة سواء في الشاشات الحكومية أو الخاصة، لاسيما أن المحتوى البرامجي لم يعد يعبر عن مشكلاته وهمومه اليومية، بل اتخذ صيغة واحدة قوامها الإشادة بالقرارات والمنجزات الحكومية.

والمؤسف أن النجاح الذي حققه ماسبيرو في الفترات السابقة لاندلاع ثورة كانون الثاني (يناير)، لا سيما من خلال برنامج «البيت بيتك» على مستوى استقطاب الجمهور جاء في ظروف وأجواء مختلفة، إذ لم تكن قد انتشرت وتوسعت القنوات الخاصة بهذا الشكل، كما كانت برامح «التوك شو» صيغة جديدة على المشاهد المصري فحققت حجماً كبيراً من المشاهدة.

وبعد اندلاع الثورة الذي واكبه توسع في إنشاء القنوات الخاصة المصرية سواء العامة أو الإخبارية، فقد «ماسبيرو» كثيراً من متابعيه، بسبب ضخ أموال ضخمة وانسياب المال السياسي وجرى اجتذاب الكوادر الماهرة ومذيعي التلفزيون المصري الذي فقد سطوته تدريجاً، وبقى المبنى العريق يعاني الإهمال والعمالة الإدارية الزائدة والديون المتراكمة وعدم القدرة على مواكبة السياق الإعلامي الجديد، فيما يعاني بعض مذيعيه وكوادره الماهرة (الذين رفضوا المغادرة إلى القنوات الخاصة) البيروقراطية والتجاهل.

ويرى الخبير الإعلامي إبراهيم الصياد أن ثمة نوعاً من العشوائية تدار بها عملية التطوير، إضافة إلى افتقاد الرؤية، بينما يتطلب العمل الإعلامي استراتيجية ورؤية تترجم إلى أفعال على الأرض عبر برامج وتحديد للأهداف المرجوة». ويقول لـ «الحياة»: «يفترض على المسؤولين تحديد أهداف التطوير، وليس القيام بعملية استنساخ لبرامج موجودة من الأساس في قنوات أخرى، والعمل على إعادة المشاهدة للتلفزيون المصري».

ويعبر الصياد عن أسفه لإسناد عملية التطوير إلى غير الاختصاصيين، وجهة من خارج ماسبيرو، والتي ركزت على التطوير الشكلي من دون تقديم محتوى جديد».

ويبدي أمنياته في أن يسترد التلفزيون المصري مكانته واهتمام المشاهد به، مشدداً على أن ثمة نوعاً من الإهمال لأبناء ماسبيرو، وتعمد استبعادهم من البرامج، فضلاً عن محاولة تقليد القنوات الخاصة عبر الاستعانة بغير الإعلاميين والممثلين لتقديم البرامج، معتبراً ذلك اتجاهاً خاطئاً، وظاهرة وقتية تعتمد على استغلال نجومية بعض الفنانين التي يمكن أن تدر الإعلانات لفترة موقتة وليست دائمة، وفي النهاية يتراجع مستوى ماسبيرو ويخرج آخرون للهجوم عليه».

ويشير الصياد إلى أن العاملين في التلفزيون المصري تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة، وعليهم تقديم الأفكار والإبداع، فيما استبعد أن يتم خصخصة أو تصفية ماسبيرو، مشدداً على ضرورة حل المشكلات المزمنة التي يعانيها وهذا لن يتحقق إلا بتدخل الدولة عبر تسديد ديونه وتجديد اللوائح الداخلية والمالية. ويختتم بضرورة منح رؤساء القطاعات سلطة اتخاذ القرار.