إلغاء تمويل «أونروا» ودور أميركا وسيطاً للسلام

هادي عامر |

تتوافق رسالة الأونروا مع القيم الأميركية توافقاً يحمل المواطنون الأميركيون على التبرع لها سنوياً بملايين الدولارات من طريق جمعيات أميركية- وتفوق حصة مساهمة الأميركيين الأفراد حصة بعض البلاد. ولكن الحق يقال أن سياسة ترامب تستند إلى سوء فهم للوضع وستخلف خلاف المرتجى. وتمول الأونروا تعليم 500 ألف فتى وفتاة تعليماً علمانياً؛ وعمليات تلقيحهم، وعيادات صحية تقدم الخدمات لأكثر من 3 ملايين لاجئ. وحين تقلص أونروا خدماتها في مخيمات اللاجئين الفقيرة في لبنان والأردن وسورية والضفة الغربية وغزة، سيقدم غيرها على ملء الفراغ. ويرجح ألا يكون مالئ الفراغ من أصدقاء أميركا. ويدرك الجيش الإسرائيلي أن أثر تقليص الخدمات الأساسية للاجئين كارثي على إسرائيل. وأشد آثار اقتطاعات الأونروا ستظهر في قطاع غزة حيث يعيش مليونا نسمة في منطقة مساحتها ضعفي مساحة واشنطن العاصمة. وتوفر الأونروا هناك خدماتها لـ1.3 مليون شخص، وتنفق حوالى 40 في المئة من موازنتها العامة. ويرتاد هناك 262 ألف فتى وفتاة 267 مدرسة من مدار الوكالة هذه.


وقطع التمويل عن الأونروا يخرج أميركا من عملية السلام في الشرق الأوسط، ويقصيها عنها. وتقوض رسالة ترامب ريادة أميركا الأخلاقية في المنطقة. وتسعى إدارته إلى تعريف معنى اللاجئ الفلسطيني تعريفاً جديداً. ومثل هذا التعريف الجديد تترتب عليه تبعات على اللاجئين في أنحاء العالم كله. ولكن وراء اقتطاع تمويل الأونروا افتراض خاطئ يحسب أن الوكالة هذه هي من يسبغ على اللاجئين الفلسطينيين صفتهم هذه، في وقت أن الصفة هذه مستمدة من القانون الدولي ويقتصر دور الوكالة هذه على تقديم خدمات اجتماعية إلى لاجئين بدول (من دون دولة). ولا يعود إلى الأونروا تحديد صفة أولاد اللاجئين، بل القانون الدولي هو من يسبغ عليهم وعلى ذريتهم صفة اللاجئ إلى حين تأمين وطن بديل. وهذه حال اللاجئين من أفغانستان وبوتان وبورما والصومال. وليس في محله افتراض أن قطع التمويل عن الأونروا وغيرها من المشاريع التنموية في الضفة الغربية وغزة. فثمة من سيملأ كذلك الفراغ الأميركي. والضغوط على القيادات الفلسطينية ستزيد شعبيتهم. وعلى رغم أن أعداد اليهود والعرب متساوية تقريباً في الأراضي المقدسة، أحكمت إسرائيل في العقود الماضية قبضتها على 90 في المئة من الأراضي، في حين أن سيطرة الفلسطينيين تقتصر على 5 في المئة من الأراضي. وتتقاسم السلطات الفلسطينية والإسرائيلية السيطرة على الخمسة في المئة المتبقية.

ولا يصب في مصلحة السلام الإخفاق في إدراك عمق تعلق الفلسطينيين بأرضهم- واليهود تاقوا إلى العودة طوال ألفي عام- والسعي إلى بتر روابطهم بالأرض. وعلى نحو ما هي الحال مع انسحاب ترامب من اتفاق باريس للمناخ، على عاتق الرئيس الأميركي القادم العودة عن قطع تمويل الأونروا. وفي الأثناء قد تساهم تبرعات الأميركيين المباشرة قد تحفظ بعض ماء وجه أميركا في عملية السلام المقبلة في الشرق الأوسط.

* باحث في معهد بروكينغز، نائب مستشار المبعوث الأميركي الخاص إلى المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، عن موقع «ذي هيل» الأميركي، 4/9/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي