محكمة الحريري تستمع إلى مرافعات الادعاء: بدر الدين خطّط وعيّاش قاد مجموعة التنفيذ

سعد الحريري مستمعاً داخل المحكمة (دالاتي ونهرا)
ليدسندام، بيروت - وليد شقير، أمندا برادعي |

باشر القضاة الخمسة في غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الخاصة بلبنان المولجة محاكمة المتهمين بالتورط في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الاستماع إلى المرافعات الختامية للادعاء العام ووكلاء المتضررين والدفاع عن المتهمين أمس في ليدسندام في لاهاي، وسط أجواء من الترقب لما ستتضمنه من تلخيص شامل للأدلة والقرائن التي تحيط بالجريمة التي هزت لبنان، وما زالت ارتداداتها تصيب المشهد السياسي فيه حتى الآن، على رغم مضي أكثر من 13 سنة على حصولها.


وبدأت المحكمة بالاستماع إلى سرد الادعاء حججه وأدلته لطلب إدانة المتهمين الأربعة المنتمين إلى «حزب الله» في حضور رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية سعد رفيق الحريري في مقاعد المتضررين من الجريمة داخل قاعة المحكمة، إضافة إلى حضور الوزير مروان حمادة الذي يوصف بالشهيد الحي نتيجةَ نجاته من أول اغتيال سياسي في لبنان قبل الحريري، والوزير غطاس خوري والوزير السابق باسم السبع الذين جلسوا في المقاعد العلوية المخصصة للجمهور، ما أضفى على الجلسة أهمية لافتة، خصوصاً أن الادعاء سرد الإطار السياسي للجريمة، معتبراً أنها لم تأت من فراغ، ملقياً الضوء على وضعية الحريري بصفته أصبح قبل اغتياله بالنسبة إلى خصومه من حلفاء سورية، ومنهم «حزب الله»، في لبنان «تهديداً خطيراً لكل الذين حالفوا سورية والمصالح السياسية لهؤلاء». وينتظر أن يستغرق سرد النائب العام في مكتب الادعاء نايجل بوفواس، يومين ونصف اليوم، ويشمل إجابته عن الأسئلة التي وجهها إليه رئيس المحكمة ديفيد راي، على أن تلي ذلك مرافعة وكلاء المتضررين لساعتين، انتهاءً بمرافعة محامي الدفاع عن كل من المتهمين الأربعة والتي ستستغرق بضعة أيام، يسعون خلالها إلى التشكيك بأدلة الادعاء ليطلبوا البراءة للمتهمين.

واستعاد بوفواس أمس، دليل الاتصالات الخليوية الذي سبق أن عرضه خلال جلسات المحاكمة منذ عام ٢٠١٤، معتبراً أنه دليل قوي، خلافاً لقول الدفاع بأنه «تكهنات».

وقدم الادعاء العام للقضاة أكثر من 3 آلاف قرينة لإدانة قتلة الحريري، مؤكداً في مذكرته النهائية أن اعتداء 14 شباط (فبراير) عام 2005 «نُفِّد بصفته جزءاً من مهمة معقدة متعددة الجوانب».

متفجرات

وأعلن الادعاء في مذكرته النهائية أن «المرتكبين استعملوا عن سبق إصرار مواد متفجرة لقتل الحريري و21 شخصاً آخرين عمداً، وهم مسؤولون عن محاولة قتل 226 شخصاً آخرين عمداً». وقال بوفواس: «المتهمون الأربعة سليم عياش، حسن مرعي، حسين عنيسي وأسد صبرا وُجهت إليهم تهمة مؤامرة هدفها ارتكاب عمل إرهابي و8 تهم إضافية تتعلق بجرائم إرهاب وقتل ومحاولة قتل. والوزن القاطع والكبير للأدلة التي عُرضت وقبلت خلال السنوات الأربع الأخيرة لا يترك شكاً معقولاً بأن المتهمين مذنبون بالتهم التي وجهت إليهم والدور الذي اضطلعوا به في هذه الاحداث التي تشكل جرماً شنيعاً وخطيراً».

وقال: «طبيعة الجريمة: الساعة 12 و 55 دقيقة في 14 شباط، فُجرت كمية كبيرة من المتفجرات العسكرية في شاحنة مفخخة في شارع ميناء الحصن في بيروت لدى مرور موكب الحريري في طريقه إلى قصر قريطم، وفي تلك اللحظة حلت الظلمة الحالكة في ساحة الجريمة. وكانت هذه النية بالتحديد من وراء هذا الاعتداء استهداف شخصية سياسية بهذا الحجم والأهمية، وإرسال رسالة ونشر حال من الرعب والهلع والألم».

ولفت إلى أنه «بعد ساعة على الانفجار وُزّع إعلان مسؤولية كاذب عن هذه الجريمة من قبل الفاعلين على وكالات الأنباء، وهي محاولة لتضليل التحقيق والشعب في ما يتعلق بالمسؤولين الحقيقيين والأسباب، واستدرجوا أحمد أبو عدس، وهو شاب من أصول سعودية أُبعد من عائلته وخطف وصّور تحت الإكراه على أنه انتحاري سني كان ينوي اغتيال الحريري، نظراً إلى روابطه وصلته بالمملكة العربية السعودية، والمرتكبون حاولوا إقناع عائلته والسلطات بأنه جهادي متطرف».

وأوضح أن «المسؤولين عن هذه الأفعال هم مصطفى بدر الدين العقل المدبر والمشرف على الاعتداء. وعياش النقطة المحورية لعملية تخطيط الاعتداء وتنفيذه، وهو الذي قاد ونسق مجموعة الاغتيال المكونة من 6 متآمرين ومجموعة أوسع من المتآمرين، ومعهم قام بأعمال بينها مراقبة تحركات الحريري على مدى 4 أشهر، وقام بتنسيق العملية، بما في ذلك شراء الشاحنة المفخخة «كانتر»، وكان مسؤولاً عن انتقال الشاحنة إلى مسرح الجريمة. أما مرعي فكان مسؤولاً عن إعداد وتسليم شريط إعلان المسؤولية».

وأكد أن «بدر الدين والمتهمين الـ4 كان يربطهم رابط مشترك، وهو دعمهم حزب الله وصلتهم به، وكان بدر الدين تحديداً قائداً عسكرياً في الحزب من الدرجة الأولى، وعند إعلان نبأ وفاته عام 2016 أُشيد به في الضاحية ودمشق وطهران على أنه شخصية مهمة وقائد وبطل من أبطال المقاومة ولديه الخبرة الواسعة بصفته أحد كبار القادة العسكريين، وتتجلى هذه الخبرة بالطريقة المتطورة التي نفذ فيها المخطط».

ولفت الادعاء إلى أن «بدر الدين وعياش وعنيسي وصبرا، لدى توجيه قرار الاتهام في حقهم تم الاعتراف بهم من القيادة العامة لحزب الله على أنهم إخوة في المقاومة، وعلى أنهم من المقاومين الشرفاء، مرعي وعنيسي وصبرا كلهم لديهم إخوة تم تكريمهم من قبل حزب الله لدى وفاتهم وحضرت مراسم تشييعهم شخصيات بارزة من المنظمة».

وقال الادعاء: «حرصوا على أن تكون آثار الجريمة التي تركت في مسرح الجريمة لا يمكن أن توصل إليهم، فالشاحنة التي استخدمت في التفجير تم شراؤها في طرابلس بعيداً من الضاحية مقر هؤلاء، والأداة الأخرى الضرورية كانت التنسيق عبر استخدام الهواتف من شبكات الهواتف السرية».

شبكة «حزب الله» الخضراء

ولفت الادعاء إلى أنه «كان لكل هاتف دور محدد وتم فصل كل هاتف عن الآخر. وإن تم العثور على هاتف لن يتم العثور على الهواتف الأخرى، حتى البحث عنها. وضمن إحدى الشبكات، شبكة حزب الله الشبكة الخضراء التي كانت تضم 3 هواتف، طُبقت درجة عالية من الانضباط للفصل بين خطي الاتصال، أي من مرعي وعياش إلى بدرالدين، وهذا الفصل كان فقط على مستوى الأدلة الجنائية. لانه في الواقع، وبعيداً من ستار الأدلة الجنائية، عمل هؤلاء الأشخاص على الشبكة بشكل متكامل ومتدامج، فكان هناك عدد من المستخدمين المشتركين وكيان مشترك».

ولفت إلى أن «هذا الأثر المزور صمم لمنع اكتشاف آثار الهواتف التي تسمح بالتعرف إلى هوية المتهمين، ولكن كان هناك كم هائل من بيانات الاتصالات، وعلى رغم هذه الخدعة تم اختراق غطاء الأدلة الجنائية المزورة. وبعد اكتشاف هذه الآثار تم جمع البيانات للتوصل إلى هذه القضية القوية إلى حد كبير، مبنية على أدلة ظرفية، ولكن المحامين الأكثر تمرّساً يعرفون أنها أدلة موضوعية مقنعة وقوية».

استنتاجات بحق متآمرين

وقال: «نطلب أن تراعوا في استنتاجاتكم الأدلة ضد المتآمر الرئيسي بدرالدين. برأيي بإمكانكم أن تتوصلوا أيضاً إلى استنتاجات بشأن دوره. هناك عدد من الدول أو الشخصيات أو المنظمات التي ورد ذكرها في سرد الادعاء وبعض فرق الدفاع حاولت الإشارة إلى هؤلاء على أنهم شركاء في المؤامرة ومتدخلون في الجرائم، لكن أود أن أوضّح أنه في حين أن هناك عدداً الاستنتاجات متوافرة للغرفة، فإن الادعاء ليس في حاجة ولا يسعى إلى التوصل إلى استنتاجات ضد هؤلاء الأفراد الآخرين ولا في حق الدول أو المنظمات، وليست الغرفة في حاجة إلى ذلك لإدانة المتّهمين».

وهنا استوضح القاضي راي قائلاً: «ذكرت أن الادعاء لا يسعى للتوصل إلى استنتاجات في حق أشخاص لم ترد أسماؤهم ربما في قرار الاتهام. ما الذي تعنيه بذلك؟ أي أشخاص لم يرد ذكرهم؟»

فأجابه بوفواس: «لا أتحدث عن الاسم». وقال راي: «لأن بدر الدين ذكر اسمه في قرار الاتهام».

بوفواس: «أعني الأشخاص الذين لم ترد أسماؤهم في قرار الاتهام. وقال راي: «حسناً، قلت إن الغرفة ليس عليها أن تعتبر أن المتهمين يعملون بناءً على طلب أي منظمة أو قادة دولة أو كيان لإدانة المتهمين أو أي من المتهمين الأربعة. السؤال موجه إلى الادعاء في ما يتعلق بالملاحظات التي أدلى بها في عام 2014 بالشهود السياسيين. على أي حال سنعود في الأيام المقبلة إلى معالجة هذا الموضوع بالتفصيل. وأنت أشرت إلى أن شبكات الهواتف الأربعة تحكّم فيها الكيان نفسه، وما هو هذا الكيان (نهاية الاقتباس) ولست متاكداً هنا من أنك أنت أجبت عن هذا السؤال، أي ما هو هذا الكيان، ولكن سنعود إلى هذا الأمر لاحقاً، وهل يزعم الادعاء الآن كما ورد في فقرة من مذكرة فريق الدفاع عن صبرا أن الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس المخابرات العسكرية السورية في لبنان رستم غزالي وأيضا مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» وفيق صفا، هم مشاركون في مؤامرة اغتيال الحريري؟ لربما تجيب عن هذا السؤال لاحقاً وكيف أن هذا الاعتداء نفذ بقيادة جهة فاعلة متقدمة ومتطورة. ما الذي تعنيه بهذه العبارة؟».

الأسباب السياسية

وأكد بوفواس أن «الاغتيال لم يحصل في الخواء بل كان له هدف سياسي وهذا أمر مؤكد، فهو وقع على خلفية التصعيد الخطير في التوترات السياسية والتصعيد في الخطابات السياسية والعنف، ومن بين أمور جمة كان هناك التمديد للرئيس لحود. هذا التمديد الذي سهله الرئيس الحريري على مضض تحت التهديد والإكراه من الأسد، وقد ترافق ذلك مع ممارسة ضغوط دولية شديدة في سياق قرار مجلس الأمن 1559 الذي يطالب بالحرية والاستقلالية السياسية في لبنان وانسحاب الجيش السوري من لبنان، وأيضاً نزع سلاح الميليشيات. وكانت هناك محاولة اغتيال مروان حمادة في الأول من تشرين الأول 2004 وهو صديق الحريري وحليفه السياسي، وتمت ترجمة ذلك على أنه تحذير لكل من الحريري ووليد جنبلاط. وترافق ذلك أيضاً مع التاريخ الذي كان يفترض فيه أن يرفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن تقريراً يتعلق بتطبيق أو عدم تطبيق قرار مجلس الأمن 1559». وزاد: «كان هناك أيضاً التحالف الداخلي المتزايد والقوي والمعارض لتواصل النفوذ والسيطرة السوريين، وكان ذلك في سياق اجتماعات البريستول، وكان هنالك التصاعد الخطير في الخطاب العام المعادي للمعارضة وللأسرة الدولية الذي كان يعكس ويجسد التعطيل الغاضب من الأشخاص الذين يحبذون الأمور على وضعها القائم، أعني بذلك مثلاً التصريحات العلنية التي قام بها النائب ناصر قنديل الذي كان موالياً لسورية والذي كانت فرضته سورية على اللائحة الانتخابية للحريري والذي نظم تظاهرات سياسية هائلة بقيادة حزب الله في بيروت تتعلق بمعارضة قرار مجلس الامن 1559. وهو من صنف علناً جنبلاط على أنه متعامل مع إسرائيل وهو الذي دعا إلى حل مجلس الأمن. إلى هذا الحد كان غاضباً من القرار. والحريري نفسه صُنف من موالين آخرين لسورية على أنه «بركيل قريطم». وطبعاً كل هذه الأحداث حصلت على خلفية الانتخابات المقبلة التي كانت على الأرجح ستغير موازين القوى الديموقراطية في لبنان بشكل حاسم لمصلحة الحريري، فالأدلة بكلياتها تعكس بوضوح أن الحريري كان يعتبر من أولئك الذين كانوا يدعمون استمرار السيطرة السورية على أنه تهديد خطير لمصالحهم وعلى أنه حليف للمعارضة، وهذا سيؤثر في إمكان فوزهم بالانتخابات، لذلك سيعكر الوضع القائم من خلال التأثير سلباً على تأثير القبضة السورية على لبنان». وفي الجلسة الثانية عرض كينكوم (الادعاء) بيانات الموقع الخليوية وخرائط التغطية الخليوية.