«إحرص على ألاّ تدعني أتدخل مرة أخرى»

مشرق عباس |

ما إن أعلن السيد السيستاني أخيراً ملاحظاته حول مواصفات رئيس الحكومة المقبل في العراق، حتى تسابق السياسيون للتبشير بحل الأزمة السياسية التي وصلت إلى نهايات مغلقة، وفاقمتها احتجاجات الجنوب أخيراً. عدّل الجميع بوصلتهم وأعادوا صوغ مواقفهم ومتبنياتهم، وبات ما كان مستحيلاً قبل أسابيع، ممكناً ومتاحاً، وسهل التحقق اليوم!

ولكن السيستاني، الذي أكاد أُجزم أنه كان أكثر العراقيين حزناً في اللحظة التي وافق فيها على وضع مواصفات لرئيس حكومة يمكن أن تتعاون معه المرجعية ولا توصد الباب في وجهه كما فعلت في السنوات الماضية، يعرف أكثر من سواه خواء وانتهازية الأوساط السياسية المهللة لما اعتبرته «تدخلاً حاسماً للمرجعية»، مع أنه يدرك في المقابل فداحة وخطورة ما وصلت إليه الأوضاع في العراق بسبب فساد هذه الأوساط ومتاجرتها بنكبات البلد.

لم يكن أحمد الصافي، وهو أقرب ممثلي السيستاني، مضطراً إلى خلع ردائه الديني، والتوجه إلى البصرة والغوص مع العمال في أحواض محطة «البدعة» لنصب المضخات فيها، فليس من ضمن مهام مرجعية دينية، أن تعمل نيابة عن حكومة البصرة أو حكومة بغداد، لكنه يمثل في النهاية مدرسة تمتلك خبرة قرون في التعاطي مع سكان الرافدين، وتشعر أن مستوى اليأس الغاضب في العراق وصل إلى حدود انفجار مدمر، لا ينتظر اجتماع تنابذ وتبادل اتهامات على غرار تلاسن المحافظ ورئيس الوزراء في قاعة البرلمان، وأن ما حدث في البصرة ثورة بمعناها وحدودها ودلالاتها، وأيضاً بانفلاتها وقدرتها على إحراق الأخضر قبل اليابس.


نعم... السيستاني حزين، لأن المجموعات السياسية التي لبست رداء الإسلام السياسي، تدفعها مصالحها إلى الإنصات بعمق إلى صوته متسرباً من «مصادر صحافية»، فيما لم تتمكن طوال سنوات من تمييز أنين ملايين العراقيين من فداحة الجور والإهمال وارتكابات القريب والبعيد.

من حق هذه القوى بمواقفها المزيفة، أن تعلن اليوم امتثالها «لأوامر المرجعية» لكن هذا الإعلان لن يغير من الحقيقة شيئاً، فالسيستاني لم يكن ليتدخل لولا فشلها وعجزها، ولولا أنها في الأساس قد شيدت عملية سياسية مفصلة على مقاساتها، ورفضت الرضوخ إلى مطالبات ملايين العراقيين بإعادة صوغ آليات التمثيل السياسي، لتسمح بالتعبير عن إرادة الناس بالفعل، لا بالتزوير ولا بالضغط وشراء الأصوات وتهديد السكان واستخدام السلاح واستنزاف أموال الدولة.

ليس جديداً أن مرحلة ما بعد الانتخابات الأخيرة، قد أفرزت خطابين، أحدهما يمثل معظم الأحزاب المتمسكة بالحفاظ على نظرية قسمة الغرماء لمؤسسات الدولة، وتكريس تسلطها على رقاب السكان عبر إفقارهم وزجهم في المزيد من الأزمات والحروب والكوارث، وآخر يطالب بمرحلة انتقالية للبلاد تنكب خلالها حكومة مهنية ونزيهة من خارج الأحزاب على إصلاح خراب السنوات الماضية والتأسيس لعملية سياسية على وفق قواعد جديدة، وهو ما تبناه السيد مقتدى الصدر ودافع عنه، كما يتبناه معظم العراقيين ويعبرون عنه باحتجاجاتهم اليومية ومقاطعتهم للاقتراع، وفعالياتهم، وقصائدهم، وأغانيهم، وأحاديثهم العائلية. وليس غريباً أن مرجعية النجف تدرك يقيناً أن ليس أمام العراق التاريخي، فرصة لاستعادة دولته قوية وحرة ومستقلة عن إرادات الخارج، إذا ما استمر زعماء الطوائف والشركات الحزبية متعلقين في رقبته إلى حد خنقه، كما أنه ليس مفاجئاً أن تلك الدولة القوية والحرة والمستقلة عن إرادات الخارج، هي الضمانة لحفظ مسافة الاحترام بين الشأن السياسي والمرجعية الدينية من دون تداخلهما، وهو من أساسيات متبنيات مدرسة النجف العميقة.

إذا كان من الممكن افتراض نصيحة قد يقدمها السيستاني إلى رئيس الحكومة المقبل، الذي يجب أن يكون حازماً وشجاعاً ومؤمناً بعراقيته، فليس أبلغ من أن تكون: «احرص ألا تدعني أتدخل مرة أخرى».

لكن أن يكون رئيس الحكومة ناجحاً، ليسمح للمرجعية الدينية الانشغال بأدوارها، لا بإصلاح ماء البصرة، والاستمرار في انتقاد فساد الوضع السياسي، لن تكون مهمة رجل واحد، مهما كان كفوءاً ونزيهاً، بل في الأساس مهمة وسط سياسي كامل عليه أن يدعم الحكومة الجديدة لإنقاذ الأمة من كبوتها، وتلك ليست من سجايا معظم الأحزاب العراقية للأسف، وربما هذا فقط ما دفع السيستاني للتنويه ضمناً إلى استعداده للتعاون مع المكلف لإنجاح مهمته.