«الطريق» لوول شوينكا: في صحبة الموت وفي صحّته

ابراهيم العريس |

لا شك في أن مسرحية «الطريق» التي عُرفت على نطاق واسع منذ سنوات السبعين من القرن العشرين، ومُثلت مرات عدة، ولا سيما في لغتها الأصلية، الإنكليزية، كانت واحدة من أولى المسرحيات الأفريقية التي اشتهرت عالمياً آتية من أفرقيا الناطقة بلغة شكسبير، وذلك على عكس مسرحيات أفريقية آتية من بلدان القارة الناطقة بالفرنسية ومنها بلدان شمال أفريقيا، كانت قد عُرفت واشتهرت قبل ذلك. ولعل الغريب في الأمر أن «الطريق» تبقى المسرحية الأفريقية الأشهر حتى اليوم، لا سيما بارتباطها باسم كاتبها الذي ستكون المسرحية في شكل خاص في خلفية فوزه بجائزة نوبل الأدبية. ومن هنا، تتخذ «الطريق» أهمية مزدوجة. لا سيما في وقت كان فيه مسرح العبث وبقية التيارات المسرحية المنطلقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وربما بالتضافر أيضاً مع نوع معين من بريختية ملحمية، تسود المناخ المسرحي في العالم، فأتت هذه المسرحية أشبه بأن تكون جامعة للأنواع.


> غير أن «الطريق» وإن كان في الإمكان وصفها بكونها «مسرحية طريق» road play بالفعل، هي مسرحية عن الموت، وكتبها مؤلفها انطلاقاً من حزنه على موت صديق عزيز عليه في اصطدام على الطريق ما خلّف لديه أسئلة وجودية حادة سرعان ما تحولت في المسرحية إلى أسئلة واقعية ترتبط بالتخلف والهيمنة واستحالة الخروج. وتدور المسرحية على الطريق تحديداً في رحلة داخل عربة تضم عدداً من شخصيات سرعان ما يتبين لنا أنها شخصيات رمزية: من البروفيسور الذي يأخذ على عاتقه تسوية أوضاع الطريق أمام تقدم العربة بإزالة لوحات التنبيه من الأخطار؛ إلى السائق الذي هو خادم إله الموت أوغون - في تقاليد قبائل اليوربا النيجيرية - إلى أوغون نفسه الذي يبدو كشبح يخيم على كل شيء ويقود كل شيء، إلى الكابتن زعيم اللصوص، فرجل البوليس الظريف والقابل للرشوة في الآن عينه... كل هؤلاء يتجاورون في تلك الرحلة التي لا تقودهم في نهاية الأمر إلا إلى الموت الذي يكمن لهم في نهاية الطريق. ومع هذا فإن مناخ المسرحية ساخر لا يخلو من لحظات مرح وضحك فاقعة. كأن الكاتب أراد هنا أن يضع كل شيء، في تلك المسرحية التي لا تزال تقدم بنجاح حتى اليوم في مسارح عدة من العالم، وكانت، كما سنرى بعد سطور، واحدة من أولى مسرحيات الأدب الأفريقي التي اكتشفها القراء العرب قبل عقود، وحتى قبل أن يكتشفوا كاتبها.

> والحال أننا يجب أن نعود إلى أواسط سنوات السبعين، لنجد اسم الكاتب النيجيري وول شوينكا، صاحب هذه المسرحية التجديدية، يتردد بوصفه واحداً من أكثر كتاب العالم جدية للفوز بجائزة نوبل للآداب. ولقد ظل اسمه يتردد من دون أن يكون الفوز من نصيبه، طوال أكثر من عشر سنوات حتى حدثت «المعجزة الصغيرة» بالفعل في بدايات خريف عام 1986. والحقيقة أن المعجزة لم تكن تتعلق بشوينكا وحده، بل بالقارة الأفريقية كلها. لأن ذلك «الحدث» اعتبر دخولاً في التاريخ الحضاري بأسره للقارة الأفريقية كلها واعتبر يوم إعلان الفوز، اليوم الذي شهد أول أديب أفريقي في التاريخ يفوز بجائزة نوبل الأدبية تلك. لكنه لن يكون الأخير، منذ ذلك الحين، إذ نعرف أن كاتبنا المصري نجيب محفوظ سوف يفوز بالجائزة بعده بعامين، كما أن سنوات التسعين ستشهد فوز أفريقية بيضاء هي نادين غورديمير ومن بعدها دوريس ليسنغ، إضافة إلى فوز أو اثنين آخرين حتى الوصول إلى سوداء من أصول أفريفية تنتمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، هي طوني موريسون بجائزة نوبل أيضاً.

> إذاً، على رغم ذلك الفوز الأفريقي الذي سرعان ما بات أمراً عادياً يتكرر خلال مسافة زمنية قصيرة جداً، يبقى أن وول شوينكا النيجيري كان الأول عام 1986، ما لفت أنظار العالم إلى غنى أدبي لم يكن متوقعاً، في قارة حرمت من الجوائز ومن الانتشار الأدبي طويلاً، لا سيما في جنوبها الأسود الذي اشتغلت ضد نهضته الفكرية عوامل عدة لا مجال هنا إلى تفصيلها.

> مهما يكن من الأمر، فإن ما يمكن قوله في هذا المجال، أن فوز وول شوينكا كان متوقعاً قبل ذلك بزمن طويل، إذ منذ أواسط سنوات السبعين وكما أشرنا إعلاه، كان اسمه يرد دائماً بكل جدية في لائحة المرشحين المحتملين، حتى وإن كان الذين يوردون اسمه ويرددونه ندر لهم أن قرأوا عملاً من أعماله الروائية أو المسرحية، إذ إنه، إضافة إلى كونه كاتباً وصاحب لغة وموضوعات متميزة، كان شوينكا ولا يزال صاحب صوت في الشؤون السياسية، وهو اعتاد أن يرفع ذلك الصوت دفاعاً عن أفريقيا وعن الحرية في كل مرة أتيح له ذلك، إضافة إلى مواصلته النضال ضد الديكتاتوريات المتعاقبة في بلده نيجيريا، ودفاعاً عن حقوق الأقليات والإتنيات فيها، حتى حقهم في الانفصال، كما كانت الحال حين وقف ضد التيار ذات يوم دفاعاً عن حق إقليم بيافرا في أن يحكم ذاته بذاته.

> ولعل من المفيد أن نذكر هنا أن نخبة القراء العرب كانت قد تعرفت قبل ذلك إلى أدب شوينكا من خلال الكاتبة المصرية فريدة النقاش التي قدمته في واحد من إصدارات سلسلة «من المسرح العالمي» الصادرة في الكويت، وذلك من خلال مسرحيته الأشهر «الطريق» التي نتناولها هنا، مرفقة نص المسرحية المترجم من الإنكليزية إلى العربية بسيرة الكاتب وحديث عن نضاله الفكري والسياسي... والحقيقة أنه عدا عن هذا، لم يكن كثر يعرفون شيئاً عن هذا الكاتب خارج إطار العالم الأنغلوفوني الذي عرفه، هو، في شكل منصف.

> وول شوينكا من مواليد عام 1934 في الإقليم الغربي لنيجيريا، وهو ينتمي عرقياً ولغوياً إلى قبائل «اليوربا». ولقد بدأت مواهبة الأدبية تظهر مذ كان بعد طالباً في المدرسة الثانوية، حيث نشر قصصاً قصيرة أذيعت له. وتوجه شوينكا عام 1954 إلى بريطانيا، حيث أكمل دراسته في جامعة ليدز منكباً على الأدب الإنكليزي، وتخرّج عام 1958. وهو خلال وجوده في بريطانيا، عمل قارئ نصوص في المسرح الملكي في لندن وبدأ يهتم بالكتابة للمسرح، مستوحياً من ناحية تقاليد المسرح البريطاني، ومن ناحية ثانية تقاليد العروض اليوربية، ذات الشكل المسرحي/ الطقوسي الديني التي كان يعرفها جيداً منذ طفولته. كانت من أول إنتاجه مسرحيتان هما «سكان المستنقع» و «الأسد والجوهرة»، قدمتا للمرة الأولى في مدينة إبادان النيجيرية حال عودته إلى وطنه.

> ومنذ تلك العودة وذلك التقديم المزدوج للمسرحيتين، صار شوينكا نجماً أدبياً ومسرحياً حقيقياً في نيجيريا وفي أفريقيا في شكل عام، وراحت أعماله تنتشر وتترجم إلى الكثير من اللغات داخل أفريقيا أو تقدم بالإنكليزية في بلدان القارة السمراء الناطقة بهذه اللغة. وبات يعرف كشاعر وروائي وكاتب مسرحي في الوقت نفسه. غير أن عمله، على تنوعه، كان على الدوام عملاً أفريقياً خالصاً، موضوعاته أفريقية وسماته الشكلية أفريقية، وكذلك أفريقية كانت سماته الأيديولوجية. غير أن ما يلفت في أدب شوينكا هو قلة احتفاله بالماضي، أو بأي نزعة حنين سلفية. بالنسبة إليه كانت أفريقيا الحاضر، ولا تزال، هي مصدر الأدب ومحتاجة إليه أكثر من أي شيء آخر. ولأن شوينكا إنكليزي اللغة والتعبير، كان أدبه - وهو ما لاحظته لجنة نوبل حين منحته جائزتها - محاولة دائمة ودائبة للتوفيق بين التراث الأفريقي بما فيه من أساطير وأمثال غنية رائعة، وبين «حقائق العالم الغربي الحديث» الذي لا يمكن القارة الأفريقية أن تتجاهله. وفي هذا الإطار كان يحلو لشوينكا أن يقول دائماً أن «النمر، لا يمضي وقته وهو يفخر بكونه نمراً، بل في الانقضاض على فريسته وأكلها». وهو كان يقول هذا في معرض انتقاده للذين يمضون الوقت في إعلان هويتهم الزنجية والدفاع عنها.

> ونذكر من بين أعمال شوينكا الأخرى الشهيرة إلى جانب «الطريق»، عملين كبيرين آخرين أساسيين له هما «حصاد كونجي» و «الموت وفارس الملك». كما لا بد أن نذكر هنا أن سمعته العالمية كفائز بجائزة نوبل لم تمنع النظام العسكري النيجيري من إيداعه السجن عام 1993. كما أن ذلك السجن لم يمنعه هو من أن يواصل معركته ضد السلطة الظالمة، عبر مقالات يكتبها وراحت تنشر على نطاق واسع. وهو حول هذا يقول: «هكذا تكون جائزة نوبل قد نفعت في شيء: وفرت لي من المنابر العالمية ما يمكنني من التنديد بالظلم والقمع».