الولايات المتحدة المتناقضة تحذّر مقدونيا وانتخاباتها «تحت» قصف «بوت نتس»

كتب أحمد مغربي |

«أميركا تحت القصف». من ينسَى تلك الكلمات؟ مرّت 17 سنة وما زالت تدوي كأنها الآن. كأنما قبل لحظة كان ظهور وزير الخارجية الأميركي آنذاك جيمس بيكر على شاشة «سي أن أن» ملوحاً بيديه بغضب، ويرغي ويزبد من تقصير استراتيجي فاضح لـ»أجهزتنا الاستخباراتية كلها» كشفته ضربات الإرهاب في 11/9.


هل أميركا «تحت القصف» إلكترونيّاً، الآن أيضاً؟ ثمة ما يدعو إلى التفكير بذلك، أقله كإمكان وأفق في الفضاء الرقمي لانتخابات الكونغرس المقبلة.

بعد 17 سنة بالضبط، حذّر وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس من أن انتخابات مقدونيا المقبلة في شأن اسمها وعلاقتها مع اليونان، ربما تكون تحت قصف تدخل إلكتروني روسي واسع. إذ ذكّر بما باتت الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الأميركية تجمع على أنه استغلال روسي ممنهج لشبكات التواصل الاجتماعي في التأثير في الرأي العام الأميركي إبّان الانتخابات الرئاسيّة الأميركية عام 2016. ولا يحصل ذلك التأثير بين يوم وليلة، ولم يحدث يوم تلك الانتخابات، بل كان جهداً منظماً ومقاربة استراتيجيّة عبر نشر مواقع وحسابات وإعلانات على شبكات الـ «سوشال ميديا».

بقول آخر، تشي كلمات ماتيس بأن الولايات المتحدة تلمس وجود تدخل إلكتروني روسي من ذلك النوع، في الانتخابات الوشيكة في مقدونيا، ولعله يفسر زيارة الوزير الخاطفة المقررة إلى سكوبيه الإثنين المقبل.

وفي التصريح ذاته، أشار ماتيس إلى شيء آخر: التدخل عبر هجمات إلكترونيّة مباشرة على الفضاء الافتراضي للانتخابات، واختراق آلاتها وأدواتها وخوادمها وحواسيبها وغيرها. وتذكيراً، نفّذ «هاكرز» يُشتبه في علاقتهم مع موسكو، هجمات مباشرة على الوسائط الإلكترونية أثناء الانتخابات الرئاسيّة في أوكرانيا عام 2014.

الانقسام الأميركي

هناك تناقض ضخم مسكوت عنه في كلمات ماتيس، كأنه «فيل ميت في الغرفة»، وفق تعبير أميركي شائع. إذ صمت ماتيس عن حقيقة ان التدخل الروسي الإلكتروني في بلاده صعّد الخلاف السياسي فيها إلى حدّ الانقسام شبه العمودي الممتد من المؤسسة السياسيّة إلى الشوارع الأميركية، وهو أمر لم تشهده تلك البلاد في تاريخها الحديث. وفي إحدى محطاته، عبر الانقسام عن نفسه بصدام معلن بين الأجهزة الاستخباراتية والرئيس الشعبوي دونالد ترامب، إبّان قمة هلسنكي الأميركية -الروسية في تموز (يوليو) 2018.

وفي سياق ذلك الانقسام، سجّلت الأجهزة الاستخباراتية الأميركية هجمات إلكترونية روسية مباشرة على شبكات الانتخابات في 2016. آنذاك، اعتزم الرئيس السابق باراك أوباما توجيه رد واسع ضد روسيا، لكن الانقسام السياسي في الولايات المتحدة منعه من ذلك، لأن الحزب الجمهوري أبلغه أن تلك الخطوة تحركها ميول حزبية وليس المصلحة الوطنيّة.

وفي تناقض آخر، أشار ماتيس إلى أن الديموقراطية تزعزعها الهجمات الالكترونية، سواء عبر الـ «سوشال ميديا» أو ضربات الـ «هاكرز»، لكنه صمت عن إمكان تعرض انتخابات الكونغرس للنوعين معاً.

ووفق رأي متقاطع بين الأجهزة الاستخباراتية والمؤسسات الأكاديمية، يرتسم في أفق انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل تدخل عبر ضربات إلكترونيّة مصممة بذكاء (أنظر «الحياة» في 19 آب-أغسطس 2018).

وساد كلمات ماتيس صمت ثقيل، ربما هو سائد في معظم الإعلام، عن قدرة الـ «بوت نتس» Botnets أيضاً على زعزعة انتخابات الكونغرس المقبلة. ويشير المصطلح إلى شبكات الكومبيوتر التي يقتحمها الـ»هاكرز» ثم يسيطرون على الحواسيب المرتبطة بها. بعدها، تصبح كأنها «زومبي» ميت- حي، لأن الـ «هاكرز» يستطيعون التحكم بوقفها وتشغيلها واستعمال برامجها ومعلوماتها وملفاتها، من دون أن يقدر أصحاب أجهزة الكومبيوتر على فعل شيء تجاههم.

أبعد من ذلك، من المستطاع استخدام الحواسيب- الزومبيات المسيطر عليها، لشن ضربات أخرى كـ «هجمات شلّ الخدمة» المشهورة باسميها المختصرين «دوس» و «دي دوس».

يكفي القول إن «بوت نتس» استخدمت في ضربتي «وانا كراي» و»بيتا-نوت بيتا» عام 2017. آنذاك، لم تستطع الأجهزة الاستخباراتية (في أميركا وغيرها) ولا قدرات الشركات الكبرى في المعلوماتية، على التصدي للـهجمات التي قادتها «بوت نتس».

مع تذكر تلك المعطيات، وهي تتصل بالتدخل عبر الـ»سوشال ميديا» وضربات الـ «هاكرز» وهجمات «بوت نتس»، الأرجح أن تكون «أميركا تحت القصف»، أقله في الفضاء الافتراضي للإنترنت.