أمير رمسيس: «الجونة» مثالية لإقامة عرس سينمائي

القاهرة - هبة ياسين |

بدأ شغف المخرج المصري الشاب أمير رمسيس بالسينما منذ طفولته عبر مشاهدة الأفلام، لا سيما العالمية منها. وفي عمر العاشرة، اتخذ اهتمامه منحى مختلفاً بعد مشاهدته فيلم «اسكندرية كمان وكمان» 1990، ليوسف شاهين، إذ شكل نقطة تحول في حياته ليخرج من قاعة السينما، مدركاً أنه يريد العمل في صناعة السينما. وكان للفيلم أبلغ الأثر لأنه تعرض إلى صناعة السينما عبر عرض السيرة الذاتية للمخرج يوسف شاهين. فتعرف رمسيس من خلاله إلى صراعات هذا العالم المليء بالاكتشافات والآلام، واقترب من الرحلة السحرية التي تدور بين المخرج والموضوع والممثلين، ليتخذ قراره بالانخراط به. وهكذا التحق بالمعهد العالي للسينما لدراسة الإخراج، ليتخرج ويعمل مساعداً مع مخرجه الأثير في أفلام «سكوت ح نصور» و «اسكندرية – نيويورك». أما أولى تجاربه الإخراجية فكانت عبر فيلم «آخر الدنيا» 2006، وأخيرتها عام 2016 بفيلم «خانة اليك»، لينشغل بعدها مساهماً في إطلاق مهرجان الجونة السينمائي الذي يتولى منصب مديره الفني، والذي ستنطلق دورته الثانية خلال أيلول (سبتمبر) الجاري، بعد نجاح مشهود لدورته الأولى.


الحياة التقت أمير رمسيس وحاورته حول أعماله، واقترابه من يوسف شاهين والتجربة الناجحة لأول مهرجان خاص في مصر.

> لنبدأ من تجربتك الجديدة في «مهرجان الجونة السينمائي» بوصفك واحداً من مؤسسيه. كيف جاءت البداية؟

- جاءت مبادرة تأسيس «الجونة» عبر الفنانة بشرى التي تجمعني بها صداقة وطيدة منذ سنوات، إذ عملنا معاً في «اسكندرية نيويورك»، واقتربنا فكرياً وأتيحت لنا الفرصة للمشاركة في عضوية لجان تحكيم كثير من المهرجانات، لذا فهي تعلم أنني شخص «محب للأفلام». وكانت المشاركة في المهرجان موضع ترحيب من جانبي، إذ وجدتها فكرة طموح، لا سيما مع تنامي الشكوى من المهرجانات المصرية، فكنا نحاول تغيير هذه الصورة.

> قيل أن توافر موازنة ضخمة هو سبب نجاح المهرجان وتفوقه مقارنة بمهرجانات مصرية أخرى؟

- لقد حالفنا الحظ أولاً في وجود الناقد العراقي انتشال التميمي فهو يمثل إضافة إلى فريق العمل كمدير للمهرجان، وانتقل به إلى شكل آخر يتجاوز طموحاتي الشخصية. كما يعتبر المهرجان محظوظاً لكونه يضم فريق عمل يتمتع بمثابرة بشرى ورؤية انتشال التميمي، كما أن غالبية فريق العمل في مرحلة الشباب تحت سن الأربعين سنة. كما أنه لا يعاني المعوقات الحكومية. ولكن تسخير الإمكانات ليس وحده سبب النجاح، لا سيما أن موازنة الدورة الأولى لم تكن تختلف كثيراً عن تلك المخصصة لمهرجان القاهرة السينمائي خلال دورة العام نفسه، لكن ثمة أسباباً أخرى بينها أننا هنا في مدينة مثالية لإقامة مهرجان سينمائي، فالتظاهرات الفنية الكبرى في العالم وبينها «كان» و «فينسيا» و «كارلوفي فاري» و «لوكارنو»، تقام جميعها بعيداً من العواصم الضخمة، في مدن شبيهة بـ «الجونة»، ما يجعل المدينة تعيش حالة المهرجان في وقته، فتتحول المدينة الصغيرة إلى مهرجان والمهرجان إلى مدينة، وهو ما يتعذر تحقيقه في مهرجانات العواصم والمدن الكبرى التي يتشتت بها المهرجان.

المسؤولية والتحديات

> النجاح الكبير الذي حققته الدورة الأولى أورثكم مسؤولية كبرى، فما التحديات التي تواجهونها خلال الإصدار الثاني؟

- التحدي الأكبر هو انتظار جمهور السينماوصناعها وترقبهم المزيد، وما نجحنا به هو «برمجة الأفلام»، إذ يضم هذا العام أفلاماً أكثر أهمية من العام السابق. كما تمثل هذه السنة نقلة مختلفة ساعدتنا فيها الخبرة التي اكتسبناها خلال الدورة الأولى، إذ ترسخت ثقة شركات التوزيع الدولية بنا. وأيضاً واجهنا تحدياً في التوسع في القسم الاحترافي «سيناجونا» المختص بصناعة السينما، فزاد عدد المشروعات المقبولة وتضاعف الدعم المتوافر لها.

> ما معايير اختيار الأفلام المشاركة؟

- تبقى العناصر الأساسية هي جودة الفيلم وقدرته على جذب الجمهور، ولا يعني ذلك ألا يكون فيلماً تجارياً. كما حرصنا على اختيار مجموعة من الأفلام الحديثة التي لم يمر عليها وقت كبير، يمكنها جذب جمهور المهرجانات المحترف، وتلك هي أزمة مهرجانات مصرية أخرى في مصر. فحين يصل الفيلم إلى المهرجان يكون قد مرت فترة طويلة على طرحه، لأن الزمن أصبح سريعاً، بخاصة مع انتشار المنصات الرقمية، فبات الفيلم ينهي دورته ويصل إلى الجمهور في شكل أسرع من الماضي كثيراً. وأستعير كلمة انتشال التميمي التي أحبذها وهي: «لا بد أن يكون لدينا القدرة على الحصول على 40 - 50 في المئة من البرنامج السينمائي للمهرجان من عمر شهر إلى أسبوعين، يبدأ من موسم «لوكارنو» إلى «فينسيا» الذي يسبق الجونة بأسبوعين فقط.

> هل عطلك «الجونة» عن الإخراج؟

- ربما يحرمني من صناعة أفلامي، لكنني أستمتع بالمهرجان والإعداد له. وخلال العامين الماضيين كان من الصعب التفكير بصناعة فيلم بجانب المهرجان، لأننا لا نقدم دورة مهرجانية فقط، بل نقيم بنية تحتية للمهرجان قادرة على أن تؤسس لنظام مستقر سنوات مقبلة تالية. فالعامان الأولان استغرقا وقتاً أكبر لترسيخ التظاهرة، غير أن هذا الأساس الذي صنعناه سيسمح لي بالتفكير خلال الفترة المقبلة بالعودة إلى الإخراج السينمائي.

> ما مشروعك المقبل؟

- ثمة مشروع مؤجل أعلنت عنه سابقاً، هو فيلم «حظر تجول» وهو من تأليفي وإخراجي، آملاً بالبدء في تحضيره عقب انتهاء الدورة الثانية من «الجونة».

> على رغم بدايتك مع عدد من الأفلام الروائية الطويلة، وبينها «آخر الدنيا» و «ورقة شفرة»، إلا أنك انتقلت إلى صناعة الأفلام الوثائقية عبر فيلم «عن يهود مصر» الذي امتد على جزءين. ماذا عن هذه التجربة؟

- بدأت هذه التجربة عام 2003، أي قبل أن أنفذ الفيلم فعلياً بسنوات طويلة وتحديداً خلال مرحلة العمل كمساعد مخرج مع شاهين، وجاء نابعاً من تأثير أحاديثه عن الإسكندرية و «مجتمع الكوزموبوليتان» الذي عاشت فيه مصر، ومن ناحية أخرى، صورة المجتمع المحتقن تجاه الآخر حالياً. فتولدت في داخلي حالة جعلتني أحبذ العودة إلى هذه الحقبة الزمنية، ومصادفة بينما كنا نعمل على سيناريو «اسكندرية – نيويورك» الذي احتوى مشهداً لشخصية تشبه شخصية هنري كورييل (اليهودي الشيوعي المصري)، وكلفت القراءة عنه وتعمقت في معرفته، وعزمت على صناعة فيلم روائي عن حياته، ولاحقاً مكثت شهوراً عدة في فرنسا، وتعرفت إلى يهود مصريين انتقلوا للعيش في باريس، فاقتربت من عوالمهم، حتى قررت ألا يكون فيلماً روائياً عن كورييل، بل عملاً تسجيلياً عن «مجتمع اليهود» المصريين وخروجهم من مصر والظروف والملابسات والأسباب والتغيرات المجتمعية التي أدت لذلك والحالة العنصرية التي لم تفرق بين دولة إسرائيل واليهودية.

> ماذا عن «هنري كورييل» هل مشروع الفيلم الروائي الطويل عنه ما زال قائماً؟

- ما زلت أحلم بهذا العمل، لا سيما أنه خلال العامين الماضيين تكشفت معلومات جديدة حول اغتياله. فبعدما كان الفاعل مجهولاً سنوات، أعيد فتح الملف أخيراً بعدما ظهر ضابط سابق في المخابرات الفرنسية ليعترف عند احتضاره أنه يقف وراء اغتيال كورييل، وما زالت صناعة عمل عنه حلماً يطارددني، لكن الفيلم يتحدث عن فترة تاريخية منذ الأربعينات وحتى نهاية السبعينات، ومن ثم فهو يتطلب موازنة ضخمة غير متاحة في السينما المصرية حالياً.