«هذا المساء» ... بين «تشويه» المجتمع و «تجميل» أبطاله

(الحياة)
القاهرة - سعيد ياسين |

نادراً ما احتوى مسلسل درامي مصري خلال السنوات الماضية على «العمل الجماعي المطلق»، سواء في الشكل أو المضمون، مثلما حدث مع مسلسل «هذا المساء» الذي عرض للمرة الأولى في رمضان قبل الماضي، وأعيد عرضه أخيراً على شاشة عدد من القنوات الفضائية، واحتوى على خطوط درامية متوازية ومتقاطعة أعطت فرصاً كبيرة لجميع ممثليه للحصول على مساحات درامية هائلة، واحتوى على درجة عالية من الفضول لدى غالبية شخصياته، وهو ما انعكس لاحقاً على الجمهور.


المسلسل ينتمي لنوعية التشويق والإثارة، وركز على ظاهرة انتشار «الهاكرز»، وقيام ممارسيه بالابتزاز أو السرقة أو التلصص على ضحاياهم، وشارك في بطولته إياد نصار ومحمد فراج وأحمد داود وحنان مطاوع وأروى جودة وباسل الزارو وسمر مرسي وخالد أنور ومجدي السباعي ودينا ماهر ومحمود حافظ ومحمد جمعة، والوجه الجديد أسماء أبو اليزيد، عن قصة وإخراج تامر محسن، وكتب السيناريو والحوار ورشة عمل تكونت من مها الوزير وسمر عبدالناصر وعبدالله الغالي وسمر طاهر وأشرف عليها محمد فريد. وتناول سلسلة من العلاقات المتشابكة التي تجرى بين طبقات اجتماعية مختلفة، منهم «أكرم» الذي يعمل مديراً تنفيذياً لواحدة من الشركات الكبرى، وزوجته التي تعاني معه من حالة فتور عاطفي، و «سمير» الذي يعمل سائقاً لديهما، ويعاني صراعات عدة، وشريكه «سوني» الذي يتلصص على هواتف السيدات.

وضح منذ الحلقة الأولى للعمل أن المخرج وضع يديه في شكل جيد على شخصياته وتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، وهو ما انعكس على الأداء، خصوصاً أن غالبية الشخصيات عاشت حالة التلصص على بعضهم البعض، واختراق حياة كل واحد منهم للآخر من دون أن يدري. وجاء التمثيل فيه صعباً، كون غالبية شخصياته ابتعدت عن السائد في الدراما، والذي يتنوع بين الشخصيات الواضحة (الطيب أو الشرير أو المريض النفسي)، وانفعل الجمهور مع الشخصيات في صورة غير مسبوقة، وحدثت موجات من الكره والحب عبر الحلقات للشخصيات من قبل الجمهور، ما يفسر أنها جاءت مركبة ومعقدة في درجات متفاوتة.

واستخدم المخرج بمهارة أماكن التصوير التي تنوعت بين الخارجي في شوارع القاهرة وشرم الشيخ ولندن وبيروت، أو داخل ملعب الكرة الخماسية وشاطئ النيل والحارة الشعبية التي يقع فيها «مسمط عبلة»، أو المشاهد الداخلية.

ويقول المخرج تامر محسن، إنه استوحى فكرته من صديقة له حكت له أن زوجاً ما عرف أن هناك آلية يمكن أن يضعها على هاتف زوجته، تمكنه من معرفة أشياء عنها، وأن فضوله هذا فتح عليه باب الجحيم، وأنه وقت تنفيذ العمل كانت مسألة «الهاكرز» بدرجة عالية من البساطة قبل استحداث وسائل وطرق تأمين عالية الجودة.

وانعكست في صورة جيدة دراسة المخرج للسينما التي ترجمها في لغة سينمائية راقية، حيث قام بعمل توليفة أكثر من رائعة استخدم فيها الإضاءة والصمت والموسيقى والتمثيل والتعامل مع الزمن والإيقاع والنقلة بين اللقطة والأخرى والاكسسوار والديكور، ووضح للمتلقي الدور والجهد المبذول الذي بذله مونتير العمل ومدير التصوير ومهندس الديكور والصوت.

وتفوق إياد نصار على نفسه في شخصية «أكرم» التي كانت بمثابة مغامرة ورهان رابح له سواء على مستوى الموضوع أو الشخصية التي تسعى إلى الكمال، وليس لديها القدرة على التمرد أو المواجهة أو الرغبة في قول ما تريد، وذلك لتأثير والده عليه، وإصراره أن يكون الأفضل والأكثر تفوقاً بين زملائه، ثم قدرته على التفكير الجيد في العمل، وتنفيذ ما يريده صاحب العمل في شكل جيد، لكنه لم تكن لديه القدرة على الاختيار، وحين يقرر يذهب إلى عالم الفتاة الشعبية «عبلة».

وأجاد محمد فراج الذي تعاون مع المخرج في أربعة أعمال سابقة تجسيد شخصية «سوني» الذي ظهر للجمهور ككتلة من الشر تتحرك على قدمين كنموذج لـ «الهاكر» الذي لا يتورع عن تحقيق أغراضه ولو على حساب أقرب الناس إليه، على رغم طيبته وجاهزيته الدائمة لأن يصبح شخصاً سوياً ومحباً، إلا أن وحدته وعدم قدرته على العثور على فتاة ترضى به حبيباً، جعلته يتوحش ويتمادى في شروره. وأمسكت حنان مطاوع بتلابيب شخصية «عبلة» الفتاة البسيطة التي تعمل في «مسمط» ورثته عن والدها، وتتحمل إهانات زوجها على أمل إنجاب طفل طال انتظاره قبل أن يوهمها الزوج بأنها عاقر، ثم انفصالها عنه، ورغبة الثري «أكرم» في الزواج منها وإحساسها بعد الزواج بأنها تحلق في السماء، وهي شخصية لها خصوصية شديدة جمعت بين متناقضات كثيرة، منها الوحدة والسلاسة والعمق والعين المكسورة والوجه الباسم، وجاءت إجادتها للشخصية دلالة على امتلاكها إمكانات فنية هائلة. وقدم أحمد داوود شخصية «سمير» بطريقة السهل الممتنع، وعلى رغم صعوبة الدور وتركيبة الشخصية التي تطهرت سريعاً من أفعالها الشريرة، إلا أنه أمسك بمفرداتها وتفاصيلها، بداية من قيامه بدور الأب لفتاة صغيرة ليست ابنته، مروراً بعمله على رغم تخرجه في الجامعة سائقاً لـ «أكرم»، وعلاقته بالفتاة «تقى» (جسدت دورها أسماء أبواليزيد) التي يبتزها «فياض» (جسد دوره محمد جمعة) بعدما استولى على مقطع فيديو صوره لها من دون أن تدري حبيبها السابق الذي وثقت فيه، وانتهاءً بحيرته بين حبه للفتاة والخوف من الاقتران بها. وكان دور أروى جودة «نايلا» من أنضج الأدوار التي قدمتها في مشوارها، وعلى رغم أنها لم تتزوج في الحقيقية، فإنها عبرت في شكل جيد عن أحاسيس الزوجة التي يخونها زوجها، ومحاولتها إخفاء مشاعرها وصدمتها نحو هذه الخيانة حتى الحلقة الأخيرة من العمل، ومواجهة الزوج بخيانته.

وعلى رغم اعتراض فريق العمل على تصنيف الرقابة له على أنه للكبار فقط، ووضع لافتة «+18»، إلا أنها كانت ضرورية، خصوصاً أن من هم دون هذه السن لا يدركون جيداً طبيعة العلاقات الحميمية، والاستغلال الجنسي الذي فرضه «الهاكرز» على ضحاياهم، إلى جانب عمليات الخيانة الزوجية المتعددة بين غالبية الأبطال، والتي أظهرت المجتمع بجميع طبقاته وفئاته، كما لو كان مشوهاً أو مصاباً بعقد نفسية.