«مهمة مستحيلة: السقوط»... اختراع جيمس بوند الأميركي

من فيلم «مهمة مستحيلة»
القاهرة - شريف صالح |

عندما كتب جوزيف كونراد روايته «العميل السري» في العام 1907 قوبلت باستهجان، لأنه ابتعد عن البحر عالمه الأثير. ولاحقاً، مع صدور أعماله الكاملة دافع كونراد عن روايته التي كتبها تحت تأثير نسف مرصد غرينتش بالديناميت عام 1894.


ربما قبل كونراد لم يكن لمصطلح «العميل السري» حضور لافت في الآداب والفنون، إلى أن استعادته كاتبة الروايات اللغزية الشهيرة أغاثا كريستي في رواية بالعنوان ذاته. وعلى مدار القرن العشرين بات لكل شعوب الأرض عميلها السري، بطلها الخفي القادر على إنقاذ وطنه في الوقت المناسب.

القناع والتحول

سرية العميل تعادل لعبتي «القناع»، و «التحول»، حيث لا يقدم البطل الخارق نفسه مباشرة كأي شخص عادي، حتى وإن تظاهر بذلك. فشخصيات مثل «زورو» و «سوبرمان» و «باتمان» جميعها «مقنعة»، ومتحولة، بمعنى أن لها حضوراً مزدوجاً، ومقدرة على التنكر وراء هويات شتى.

لأن السرية أو «تقنيع» البطل ضرورة درامية، تتناسب مع غموض الخطر والتهديد المبهم. أو على حد تعبير كونراد في مقدمته ـ بحسب ترجمة ميادة خليل للنسخة العربية: «تفاهة ملطخة بالدماء لحماقة من المستحيل فهم منشئها بأي طريقة تفكير عقلانية، أو حتى غير عقلانية». فالحوادث الإرهابية شريرة وغير عقلانية، تتطلب استجابة غير عقلانية، يوفرها العميل السري.

على مستوى الفضاء السردي تتوزع مهمة العميل السري ما بين «ملعب محلي» على طريقة «شرلوك هولمز» لفك ألغاز جريمة محدودة، أو «ملعب دولي» تشتبك فيه مصالح وصراعات دول وجماعات إرهابية، على طريقة «جيمس بوند».

وعلى رغم أن المهمة المقدسة هي ذاتها دائماً، حيث يتحدى البطل كل الصعاب، ويدمر أسلحة العدو بالغة الخطورة مثل الجراثيم والقنابل النووية... إلا أن المعركة لا تنتهي برواية ولا فيلم واحد، بل تظل تُستعاد مرات ومرات. فعلى سبيل المثال «سلسلة جيمس بوند» الشخصية التي ابتكرها الروائي إيان فيلمنغ- عام 1953، تجاوزت 25 فيلماً.

فللتكرار لذة إيقاعية، ولاستعادة الحكاية متعة تشبه هدهدة الطفل، طالما أن الخطر الغامض يبقى محتملاً في المستقبل، فستظل هناك حاجة ماسة لتكليف البطل بالمهمة، مرة بعد أخرى. ولا شك أن تكرار الانتصارات ـ ولو في أفلام، يبرمج اللاوعي الجمعي بالقدرة المتكررة على الانتصار.

العميل إيثان هانت

ظهرت عشرات السلاسل روائية وتلفزيونية وسينمائية عن «العميل السري»، مع ذلك، ما زال البعض لا يعطيها حقها، بل يخرجها من أرض الأدب والسينما معاً، في حالة إنكار وعدم اعتراف بتأثيرها الهائل على الشباب والمراهقين.

وعلى رغم تنوع مذاق تلك السلاسل، يكاد العميل الأميركي «إيثان هانت» بطل سلسلة «مهمة مستحيلة» أن يكون صورة طبق الأصل من زميله البريطاني جيمس بوند. ولدت شخصية «هانت» تلفزيونياً بين عامي 1966 و1973 واشترى حقوقها توم كروز حيث أصدر الجزء السينمائي الأول منها عام 1996.

وعبر اثنين وعشرين عاماً صدر منها ستة أجزاء، حمل أحدثها عنوان «مهمة مستحيلة: السقوط»، وحققت الأجزاء الخمسة السابقة قرابة ثلاثة بلايين دولار، وهو مبلغ هائل بكل المقاييس.

أما الجزء الأخير فتكلف 180 مليون دولار، حققها تقريباً في أيام عرضه الأولى، ما يؤهله لأن يكون الأكثر ربحية، إضافة إلى التقييم الجماهيري والنقدي العالي، حيث أدرج في المركز 115 في قائمة موقع IMDB واعتبر أحد أفضل أفلام الحركة على الإطلاق.

يتشابه «هانت» مع «بوند» في الوسامة والأناقة، وتفضيل الذكاء على القوة العضلية، وفي تنوع البلدان التي يتم اختيارها مسرحاً لعملياته، إضافة إلى وجود عميلة حسناء تسانده أو تعيقه عن هدفه. وإذا كانت سلسلة «بوند» مع طولها الزمني ارتأت تغيير الممثل، فإن «هانت» ما زال مع اقترابه من ربع قرن- يرتدي قناع «توم كروز» ولم يفلح المكياج، ولا اللياقة البدنية العالية، في إخفاء حقيقة أنه أصبح في السادسة والخمسين من عمره!

في الجزء السادس يتلقى «هانت» تكليفاً بالعثور على ثلاثة قنابل نووية قبل أن تسقط في يد «جماعة الرسل» الإرهابية. وذلك من طريق رسالة إلكترونية، تختفي ذاتياً بعد الإطلاع عليها، كانت مخبوءة خلف غلاف أدويسة هوميروس!

كأنها علامة مفارقة أن لكل عصر ملحمته، و «هانت» بكل ما يملكه من تكنولوجيا هو «أوليسيوس» القرن الحادي والعشرين، المغترب عن زوجته من أجل وطنه، لكن بدلاً من الالتحام بالعدو بالصدور والسيوف، أصبحت المعركة بخدع التكنولوجيا، وإن كانت ملحمة معدنية خالية من دفء الشعر.

بعد تكليف «هانت» بالمهمة يتعرض للفشل الأول، عندما يفضل إنقاذ زميليه على أخذ حقيبة القنابل. كأنه ليس من حق «العميل السري» أن يضعف أمام مشاعره الإنسانية، فقداسة المهمة تتطلب قلباً حديدياً. ثم جاء التحدي الثاني حين فرضت عليه وكالة الاستخبارات مشاركة عميل آخر هو «واكر» (هنري كافيل)، حيث لكل منهما طريقته في إنجاز الأهداف.

ومن هذه الحبكة الإطارية الخاصة بالاستيلاء على القنابل قبل استخدامها، تولد قصص أخرى منها قصة العميل السابق «سولومون» (شون هاريس) الذي هرب من الاستخبارات ويقود جماعة «الرسل» الإرهابية، وعرض مبادلته مقابل القنابل؛ وكذلك قصة «الأرملة البيضاء» (فانيسا كيربي) التي تمثل حلقة معقدة تتداخل عندها أجهزة استخبارات وجماعات إرهابية عدة؛ إضافة إلى التنافس بين الوزير (إليك بالدوين) ومسؤولة الاستخبارات (أنجيلا باسيت)؛ والحسابات المعقدة لشريكة إيثان السابقة العميلة «إليسا» (ريبيكا فيرغسون) التي تسعى إلى تصفية «سولومون».

مدن ومعارك

أتاحت القصص الثانوية، الفرصة لتوسيع فضاء السرد الفيلمي ما بين أميركا ولندن وباريس وكشمير. وبالفعل تم تصوير معظم الأحداث في أماكنها الحقيقية، وبعضها الآخر صور في النرويج والإمارات العربية المتحدة، بكاميرات آيماكس ثلاثية الأبعاد فائقة الدقة، مع موسيقى تصويرية رائعة. كما أعطى تنويع المدن خلفية سياحية مهمة، ودعاية غير مباشرة، لاكتشاف جمال تلك الأماكن. وعلى مستوى آخر تم توظيف التقنية شديدة الحداثة في تصميم معارك جذابة حركياً وبصرياً ودرامياً.

ولعل الجزء السادس كان الأفضل على الإطلاق في استعراض تلك المعارك، حيث التحم كروز وفريقه في صراعات بالمسدسات في فضاءات مغلقة ومفتوحة، وسباقات بالسيارات والدراجات النارية والقوارب النهرية والطائرات الحوّامة. فما من وسيلة لتصميم معركة جيدة، إلا تم استغلالها من قبل كاتب ومخرج الفيلم كريستوفر ماكويري الذي يعود إلى السلسلة للمرة الثانية.

هذا التنويع في القصص الفرعية، والفضاءات، وأدوات المعارك، أضفى على السرد الفيلمي حيوية شديدة في إيقاعه على رغم أن مدته تناهز 150 دقيقة.

حيرة فلسفية

بغض النظر عن نجاح البطل في مهمته، إلا أن الحبكة تثير حيرة لدى المتلقي، حيث في جانب العصابة عملاء سابقون للاستخبارات، وفي جانب الاستخبارات عملاء للعصابة. وفي لحظات كثيرة يصعب التمييز بين من يساند الخير ومن ينتصر للشر. حتى «هانت» نفسه اتهم في لحظة حاسمة بأنه هو نفسه العميل المطلوب «لارك»، وكأنه يطارد نفسه وهو لا يدري! وكادت الوشاية به أن تنجح، قبل أن يتم فضح أمر زميله «واكر» أبرز أعضاء جماعة «الرسل».

وكأن تلك العوالم الخفية تنزاح فيها الحدود والأقنعة وتختلط القيم، لكن على الجمهور أن يثق دائماً بالحاسة السادسة التي يملكها بطله، الذي يقف في جانب الخير دائماً.