من فاسبندر و «فاوست» إلى تكريم رومي وهانا شيغولا

إميلي عاطف خلال تصوير فيلم رومي شنايدر (متروبوليس)
بيروت - فيكي حبيب |

قد لا يكون الإنتاج السينمائي العربي والأحوال السينمائية العربية في شكل عام، على أحسن ما يرام في عام آخر تشتد فيه أزمة تمويل الطموحات السينمائية العربية والشبابية منها عموماً، وذلك على رغم الأرقام المليونية التي ترد من القاهرة على الأقل، في كل موسم، متعلقة بعروض الأعياد. فهذه تشير الى نوع آخر من السينما، تجاري جماهيري يمتلئ بالحركة ونجوم الشباك، ولا علاقة له بالسينما الكبيرة التي أمضى النقاد ومحبو السينما الحقيقية أيامهم ولياليهم يحلمون بها.


المشكلة ليست هنا في تلك السينمات المليونية الأرقام، بل تتعلق بتلك السينمات الأخرى، الأكثر طموحاً وجمالاً وجدية، التي عرفت في سنوات فائتة كيف تستفيد من أريحية عربية ورثت الأريحية الأوروبية لتمول أفلاماً/أحلاماً رفدت السينما العربية بأجمل ما صنعته، وحققت لشبان سينمائيين رغباتهم في الإمعان في تحويل السينما الى فن جميل. غير أن هذا كله يبدو الآن مبتعداً أكثر وأكثر. ومن هنا، وربما في انتظار نهضة جديدة تستأنف تلك «البدايات» الجيدة، قد يكون على محبي السينما العرب، الاكتفاء بمشاهدة أفلام جيدة آتية من العالم الخارجي، وأحياناً من الداخلي أيضاً إنما بالقطارة، في مناسبات محددة، ربما يمكن اختصارها في مثلث له ثلاث زوايا: مؤسسة «زاوية» في القاهرة، عروض الهيئة الملكية في عمان، وبالطبع مؤسسة «متروبوليس» في بيروت.

حركة لا تهدأ

والحقيقة، أن هذه الأخيرة تبدو الأكثر نشاطاً اليوم، والأكثر استحقاقا لاسم «مؤسسة». ففي وقت يضمحل حتى هذا النشاط السينمائي الثقافي في لبنان وتختفي المهرحانات - أو تؤجل، ما يعني الشيء نفسه في نهاية المطاف - تبقى جمعية متروبوليس حركة لا تهدأ بوصفها واحداً من آخر معاقل الثقافة السينمائية الطموحة في لبنان.

وهكذا مثلاً، في وقت بالكاد تقدّم فيه تظاهرة للسينما البرازيلية آخر عروضها بإشراف متروبوليس، ها هي تظاهرة سينمائية أخرى تنطلق في لبنان، وأيضا بإشراف متروبوليس، واعدة بأن تكون أكثر إتساعاً وغوصاً من سابقتها في ثقافة سينمائية معينة.

التظاهرة الجديدة التي أطلقت عروضها أمس الخميس، بفيلم افتتاح لافت من إخراج إيرانية - فرنسية تقيم وتعمل في برلين، ما يبرر بالطبع ارتباطه بالتظاهرة المعنية، والتي هي عبارة عن الطبعة الخامسة من «أسبوع الفيلم الألماني» - الذي يقام بالتعاون بين «متروبوليس» و»معهد غوته» في بيروت، هذه التظاهرة، ومن دون أن تدعي تقديمها جديداً خالصاً بالنسبة الى الإنتاج الألماني، تقدّم صورة متنوعة التطلعات ومتعددة حقبات الإنتاج، لجزء ما من تاريخ السينما الألمانية أو تلك التي تُصنع في ألمانيا، أو حتى شراكة مع ألمانيا.

ولئن كان فيلم الافتتاح وعنوانه «ثلاثة أيام في كيبيرون» من إخراج إيميلي عاطف، أطلق التظاهرة بواحدة من أجمل التحيات السينمائية التي يمكن أن يُخصّ بها نجم راحل، فإن التظاهرة كلها إنما تقام تحت شعار تحية أخرى تُكرّس هذه المرة لنجمة لا تزال تعيش بيننا وتعتبر أيقونة سينمائية حقيقية. في التكريم المتمثل في الفيلم الأول، لدينا النمسوية الأصل رومي شنايدر التي يستعيد الفيلم روائيّاً، حكاية ثلاثة أيام أخيرة من حياتها أمضتها في مقاطعة بريتانيْ الفرنسية، وأجري معها خلالها آخر حوار صحافي وربما أجمل الحوارت التي أُجريت معها في حياتها. فيلم بديع كان ضيوف مهرجان برلين شاهدوه وفُتنوا به قبل شهور. أما التكريم الأكثر رسوخاً اليوم، فهو من نصيب الفنانة الألمانية هانا شيغولا التي ارتبط اسمها بالمخرج الطليعي الراحل فاسبندر، إذ مثلت في عدد كبير من أفلامه.

أيقونة فن الممثل

شيغولا تُقدّم هنا في هذه الأيام السينمائية الألمانية، من خلال فيلمين لفاسبندر، ربما يكونان من أقل أفلامه شهرة، لكنهما بالتأكيد يعتبران من أفلامه القوية والتي استخدم فيها فن الممثل - الممثلة هنا - الى أقصى إمكاناته، ومن هنا اعتُبرا من روائع ما قدمته شيغولا في تاريخها: «حاذر العاهرة المقدسة» (1970) و»الجيل الثالث» (1973). غير أن تكريم شيغولا في المناسبة البيروتية، لا يقتصر على عرض هذين الفيلمين، بل يتجاوز هذا ليشمل فيلمين آخرين مثلتهما في مرحلة ما بعد فاسبندر، أولهما «حافة السماء» من إخراج الألماني التركي الأصل فاتح آكين (2007)، وهو فيلم صُوّر بين ألمانيا وتركيا ونال العديد من الجوائز وقدراً لا بأس به من النجاح، مكرساً اسم مخرجه كواحد من أبرز المخرجين الألمان المعاصرين على رغم التركيّة المهيمنة على مواضيعه وصولاً قبل سنوات قليلة الى تحقيقه «القطع» الذي كان واحداً من أقوى الأفلام التي حُققت عن القضية الأرمنية، ما أثار حنق غلاة القوميين الأتراك. فيلم آكين هذا يعرض في الأيام السينمائية الألمانية ضمن تكريم شيغولا، لكنه لن يكون الحدث الأكبر في هذا السياق.

الحدث الحقيقي والأهم سيكون العرض الأول في لبنان - على حد علمنا على الأقل - لفيلم الروسي ألكسندر سوكوروف «فاوست» الذي تقوم فيه شيغولا بأحد الأدوار الرئيسية. فهذا الفيلم الذي حُقق في العام 2011، إنما كان الخاتمة المنطقية لثلاثية سينمائية كان سوكوروف قد حققها خلال سنوات سابقة على «فاوست»، وموضوعها الديكتاتور في السلطة في القرن العشرين. كانت الأفلام الثلاثة السابقة: «مولوخ» عن آخر أيام هتلر، و»طوروس» عن آخر أيام لينين، وأخيراً «الشمس» عن بدايات الاحتلال الأميركي لليابان بعد القنبلتين الذريتين في نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعلّم إمبراطور اليابان هيروهيتو كيف يتأقلم مع ذلك الاحتلال.

لا يقدَّم «فاوست» هنا لذاته وبوصفه فيلماً لسوكوروف، لكنه يقدّم ضمن إطار تكريم تلك الفنانة الكبيرة... فهل نلوم أحداً على ذلك؟ بالتأكيد لا. بل ربما يكون عرض «فاوست» ولو ضمن هذا الإطار الموارب، حافزاً لاستعادة ثلاثية سوكوروف - التي باتت رباعية مع «فاوست» - لجمهور يلاحَظ دائماً في عروض متروبوليس أنه متعطش للسينما الجيدة والقوية والنادرة.

في المقابل، نتابع هنا استعراض ما تقدمه الأيام السينمائية الألمانية من أفلام من المنطقي القول إن من المستحيل توقّع مشاهدتها في الصالات التجارية التي تزدحم بها مولات لبنان في هذه المرحلة. وهي بضعة أفلام أخرى تنطبق على معظمها صفة «الإنتاج الألماني» الجديد، إن لم نعتبر السوري «طعم الإسمنت» لزياد كلثوم، والمعروض بدوره، جزءاً من هذا الإنتاج. فمن «في الأجنحة» لتوماس ستابر، الى «الحديقة» لسونيا كروغر، و»باولا» لكريستيان شروشو، وصولاً الى «ويسترن» لفاليسكا غريسباخ و»أهلا بكم في ألمانيا» لسيمون فيرهوفن و»هذا القلب المجنون»، وأخيراً «كان يا ما كان في بلد هندي» (لإيلكر تشاتاك، ويعرض دون غيره من أفلام التظاهرة في الهواء الطلق)، من الواضح أن هذه التظاهرة تحاول أن تقدم لجمهور معيّن وفضوليّ بالتأكيد، لمحات عن جديد سينما ألمانية، وأوروبية إذا ما وسّعنا الدائرة، تبدو مختلفة وواعدة بأن السينما الجادة لا تزال أمامها أشياء كثيرة تقولها، وتقولها بالتحديد لجمهور واع يتطلع الى تلك المناسبات التي تستجيب لطموحاته، مؤمناً بأن في الإمكان دائـــماً توقّع ما هو أفضل على رغم بؤس الأزمنة والمهيمنين عليها، ولــيس عنــدنا فقط.